إصلاح الأمم المتحدة بين المتطلبات و الواقع الدولي

www.elsiyasa-online.com
إصلاح الأمم المتحدة بين المتطلبات و الواقع الدولي

إن إصلاح منظومة الأمم المتحدة يعد ضرورية حتمية لسد الثغرات و تجاوز العيوب في ميثاق و نظام هذه المنظومة منذ تأسيسها و تكييفها وظيفيا مع واقع مابعد الإديولوجيات، ويعتبر هذا الإصلاح ضرورة أملتها التحولات المتسارعة الحاصلة في مختلف نواحي العلاقات الدولية بين الشمال و الجنوب، بين السلام و الصراع من جهة و متغير الأخلاق من جهة أخرى.
بسبب هذه التحولات و في مقدمتها تلك المتعلقة بالنظام السياسي الدولي خاصة في مرحلة مابعد الحرب الباردة، يكاد يتوفر اجماع حول ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة كميثاق و كفكرة و كجهاز.

1-  تقييم نشاط منظومة الامم المتحدة:

إن عالما أحادي الجانب عسكريا و دبلوماسيا، يمكن أن تحدد بنيويا الملامح العامة للوضع الدولي الجديد، و الذي من خلاله يمكن أن نقيم من خلالها دور الأمم المتحدة ONU كمايلي:
    أ- الأمم المتحدة أداة للتأثير في السياسة الوطنية للدول القومية، وهذا التأثير مصدره مبدأ الأمن الجماعي( المادة 51 من الميثاق)، هذا المبدأ يقوم بوظيفة تبريرية، إذ يوفر غطاء للشرعية الدولية لتذخل الدول الكبرى في شؤون الدول الأخرى، و يرتبط هذا المبدأ اليوم ببروز حق التذخل الدولي تحت شعارات حماية حقوق الإنسان، حماية الأقليات.....
   ب- ضعف فعالية الأمم المتحدة نتيجة هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية و تطبيقها للقرارات الدولية بصورة انتقائية، ومنه ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية أو مايعرف باللامعيارية في العلاقات الدولية الراهنة.
  ج- تعميق مبدأ النسبية في العلاقات الدولية بهدف تكريس سياسة ابطال تمرد دول العالم الثالث على ازدواجية المعايير.
إن الممارسات الأمريكية اتجاه الأمم المتحدة تفرض تحديا جوهريا مفاده تحول هذه المنظمة إلى مجرد منظمة أمريكية عالمية أو زوالها من خلال التهميش التدريجي لها، ويبرز هذا السلوك في السياسة الخارجية الأمريكية اتجاه الأمم المتحدة في إطار نظريات العلاقات الدولية على انه صراع بين رؤيتين أمريكيتين للعالم و لموقع الأمم المتحدة منه حيث:
    *- الرؤية الأولى: تعبر عنها المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، تؤمن بأن القوة وحدها هي العنصر الحاسم في حماية الأمن القومي، و بالتالي ترى أن الامم المتحدة هي منظمة قديمة بالية تعكس فقط مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية، و أصبح مطلوبا أن يعاد تكوينها جذريا.
   *- الرؤية الثانية: تمثلها مدرسة التعاون الدولي (المدرسة الليبيرالية)، تنطلق من امكانية تجانس المصالح الحيوية الدولية، وأن الدول يمكن أن تنتصر و تحقق الأمن باعتبارها مجتمعا متجانسا، وعليه الأمم المتحدة هي الإطار الذي يضمن مصالح الجماعة الدولية و بضمان الحد الأدنى للتعددية المشاركاتية. يمكن ابقاء هذه المنظمة لأن المصالح الأمريكية الضيقة ماهي إلا جزء من المصالح الدولية ككل، و على هذا الأساس برزت أطراف دواية تنادي بضرورة اصلاح بموضوعية و هيكلية و اعادة توزيع الأدوار لإيجاد مخارج بديلة لتحقيق الأمن و الإستقرار العالميين.

2- أسباب و دواعي إصلاح الأمم المتحدة:



هناك أسباب عدة منها:
1- مرور فترة زمنية طويلة على صياغة الميثاق الأممي، بحيث لم يصبح يواكب التغيرات الكبرى التي طرأت على الوسط الدولي ( إعادة النظر في القواعد و المبادئ العامة ذات الصياغة و الطابع العمومي و الفضفاض- إعادة النظرفي الهيكل التنظيمي- ظهور خلال حاد في صلاحيات الأجهزة و الفروع الرئيسية- انتهاج أطراف مجلس الأمن الدولي نهج الإنتقائية و المعايير المزدوجة اتجاه الأزمات الدولية).
2- التحول في بنية النظام الدولي: إذ تطرح هذه التحولات في النظام الدولي تساؤلات عدة أهمها:
   *- مدى صلاحية الأساس الفكري و الفلسفي الذي قام عليه الميثاق الأممي ( الأمن الجماعي مقابل الأمن الإنساني).
   *- مدى قدرة الولايات المتحدة الأمريكية كرائد للزعامة الدولية على التكيف مع التغييرات الحاصلة في جدول اعمال الوضع الدولي الجديد ( الصراع بين الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب- التهديدات الامنية الجديدة- فشل الامم المتحدة في عدة مناطق من العالم- تضخيم الجهاز البيروقراطي للامم المتحدة دون فائدة- عدم استقلال الهيئات ماليا- امتياز الفيثو- عدم الزامية قرارات محكمة العدل الدولية).

 متطلبات اصلاح الأمم المتحدة:

سوف نقتصر على اصلاح الإطار العام لصنع القرار و الإصلاح المالي و البيروقراطي.
1- إصلاح الإطار العام لصنع القرار:  إن إصلاح هذه المنظومة لن يكون إلا من خلال اصلاح الأساس الفكري الذي استندت عليه و هذا عبر ركيزتين أساسيتين:
    *- ركيزة سياسية: من خلال جملة الصلاحيات الممنوحة للاجهزة الرئيسية خاصة مجلس الامن، الجمعية العامة، المجلس الإقتصادي و الإجتماعي.
    *- ركيزة وظيفية: ممثلة بضرورة تحديد الوظائف دون تداخلها بين أجهزة الامم المتحدة.
2- الإصلاح المالي و البيروقراطي: بالرجوع لتقرير عام 2006 الصادر عن الجمعية العامة و المعنون ب" الإستثمار في الامم المتحدة من أجل منظمة أقوى على الصعيد العالمي" يؤكد على ضرورة الإعتناء بالموارد البشرية من حيث التكوين و الحصانات و كيفية ادارة الميزانية و جمع الضرائب.....
- أيضا تأسيس ميزانية مستقلة مع الزامية الدول العضوة حسب معايير ثابثة دفع مستحقاتها في نشاط الأمم المتحدة.
- إعادة النظر في عدد الموظفين و التركيز على التكنوقراطيين بدل السياسيين.
- منح الامين العام صلاحيات واسعة دون اعتباره مجرد موظف غداري، مما يعطيه صلاحية السلطة التقديرية و التقريرية تحت رقابة قضائية.

الخاتمة:

إذا كانت هذه الإصلاحات على المستوى المتوسط أو البعيد، فإن الوضع الدولي الحالي يتطلب:
1- ضرورة التطبيق الفعال لكل من المواد (43) من الميثاق و المتعلقة بإنشاء جيش أممي دائم، و المادة (47) و المتعلقة بتنشيط لجنة أركان الحرب التابعة لمجلس الأمن.
2- إعادة النظر في تشكيلة مجلس الأمن و نمط التصويت.
3- جعل عملية انتخاب منصب الأمين العام دون تزكية مجلس الأمن، و كذلك الشأن بالنسبة لقضاة محكمة العدل الدولية.
4- ضرورة إيجاد مصدر مالي مستقل لتمويل نشاطات الأمم المتحدة بحرية عن طريق استغلال الإرث المشترك للإنسانية ( أعالي البحار و المحيطات، الفضاء الخارجي...).
5- عقد مؤتمر دولي لإعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة.
تعليقات