مساحة إعلانية 728×90

العلاقات السياسية اليمنية- السعودية في ظروف التحولات السياسية من منظور نظريتي” الواقعية الكلاسيكية” و “التبعية” في العلاقات الدولية

www.elsiyasa-online.com
العلاقات السياسية اليمنية- السعودية في ظروف التحولات السياسية من منظور نظريتي” الواقعية الكلاسيكية” و “التبعية” في العلاقات الدولية

عبد اللطيف حيدر 

تمثل طبيعة الصراع في اليمن منذ العام 2014 انعكاساً طبيعياً يجسد العلاقة بين اليمن ومحيطه الخليجي، خصوصاً المملكة العربية السعودية التي تمثل الدولة الأضخم مساحة في منطقة شبه الجزيرة العربية والمصدّر الأكبر للنفط في العالم [1]، وتحظى بثقل إقليمي ودولي وتشترك حدودا برية وبحرية مع اليمن، البلد الفقير الواقع في حدها الجنوبي ويعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية وأزمات متعاقبة، وتتسم العلاقات اليمنية السياسية السعودية تاريخياً ” باتخاذ مسارات عديدة حكمتها طبيعة النظام السياسي في صنعاء في كل مرحلة تاريخية وهو ما أضفى عليها حالة من التذبذب صعوداً وهبوطاً على هذه العلاقات، إضافة الى عوامل سياسية وتاريخية أخرى كان لها دور في الوضعية غير المستقرة بينهما” 2.
ونتيجةً للمكانة الاستراتيجية التي يتمتع بها اليمن من خلال إشرافه على مضيق باب المندب الذي يمثل أحد أهم الطرق البحرية لنقل النفط من الخليج الى اسواقه في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يمنحه القدرة على امتلاك مصدر النفوذ في المجال الخارجي ويعزز من أهمية مكانته الدولية 3. وهذا ما يجعله محل اهتمام كبير لدى السعودية التي تنظر اليه كجزء لا يتجزأ من امنها القومي على وجه الخصوص والمنطقة الخليجية بصورة أعم، وهذا ينعكس على علاقاتها باليمن ويشكل بعداً استراتيجياً لدورها في المنطقة ويمكنّها من لعب دور دولي مؤثر، لا سيّما مع تنامي النشاط الإيراني في المنطقة والذي تعتبره خطراً يتهدد وجودها.
وتأتي الحالة الإنسانية المأساوية التي يشهدها اليمن حالياً بسبب الصراع الدائر منذ ما يقرب من ثلاثة سنوات، نتيجة انقلاب جماعة الحوثي بالتحالف مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح – قتلته جماعة الحوثي مؤخراً- على شرعية الرئيس عبد ربه منصور ما أدى الى تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية لإعادة الشرعية، حيث خلف الصراع وما زال يخلف ويلات الحرب والدمار وانتشار الامراض والاوبئة التي حصدت أرواح الآلاف من اليمنيين، وتقول التقارير الدولية ان 17 مليون يهددهم شبح المجاعة ويحتاجون لمساعدات عاجلة.
أي ما يمثل 62% من عدد السكان 4، وقد شكلت تلك الأرقام للوضع الإنساني المأساوي محور اهتمام الباحث لبحث أبعاد الصراع السياسي والعسكري الذي تخوضه اليمن وتمثل السعودية اللاعب الأبرز في الميدان، ودراسته من منظور العلاقات الدولية، وذلك من خلال تعقّب أبرز المحطات التاريخية التي برز دور السعودية كعامل مؤثر في طبيعة التحولات الكبرى في الساحة اليمنية وأبرزها التدخل العسكري” عاصفة الحزم ” لفهم طبيعة الصراع بشكل تسلسلي عبر تاريخ علاقات البلدين.
النشأة والتحليل الفلسفي لنظريتي (الواقعية والتبعية)
يعتبر ثوسيديس ( حوالي 460 – 390 قبل الميلاد ) وهو قائد عسكري اثيني عاش في القرن الخامس، وهانز مورغنتاو ( 1904- 1979 ) وهو محام الماني، ابرز كٌتّاب الواقعية الكلاسيكية في الشؤون الدولية ، كما يعد انقولا ميكافيلي وكارل كلاوزفيتز من مؤيديها وكتابها الرئيسين، حيث تُعنى كتاباتهم حول المسائل المتعلقة بالنظام، والعدالة والتغيير على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ولدى الواقعيين الكلاسكيين مفاهيم شمولية عن السياسة حيث تهتم بالتشابهات دون الفوارق بين السياسة المحلية والمتعلقة بالشأن الدولي(5) [2]، وتقوم النظرية الواقعية على افتراض حالة الفوضى في النظام العالمي، وهذه الفوضى تجعل من الدول ضحية لبعضها البعض.
فالواقعية تفسر حالة الدولة شبيهة بالحالة الإنسانية تماماً، فالغريزة الإنسانية تميل الى العنف والشدة والسيطرة، كذلك تسعى الدول للسيطرة والنفوذ واستخدام القوة في تحقيق مصالحها وتعزيز قوتها المادية بما يؤهلها لمد نفوذها وسيطرتها وضمان تفوقها على الآخر. ولذلك تعد الفوضى والقوة والسيادة والصراع ومركزية الدولة من أبرز مفاهيم الواقعية التي لا يمكن فهمها خارج إطار هذه المصطلحات. كما يرى الواقعيون ان عناصر مقومات الدولة المادية من أهم عوامل قوة الدول، فكلما كان عدد السكان كبيراً ومساحة الدولة وكثرة مواردها الطبيعية وتنوعها كلما عزز من قوة الدولة وتقدمها، بالإضافة الى العوامل الجغرافية والتضاريس الطبيعية للدول وتمثل بالنسبة للواقعيين عوامل مهمة في قياس قوة الدولة.
“ولدى الواقعيون جواب مباشر لمشكلة النظام العالمي (order) وهو السلطة المركزية الفعالة، فالحكومات التي تحافظ على الحدود، وتفرض تطبيق القوانين، وتحمي المواطنين تجعل من السياسية الداخلية أكثر سلمية ومختلفة نوعياً عن السياسة الخارجية، بينما تبقى الساحة الدولية بحالة من الفوضى في النظام العالمي حيث تسعى الدول الى استغلال بعضها البعض” (6)[3]ولذلك فبقاء الدول مرهون بقدراتها المادية وتفوقها النوعي والكمي وتحالفاتها مع الدول الأخرى، فالقوة بالنسبة للواقعية هي الوسيلة الوحيد للتحكم في فضاء عالمي فوضوي.
ويرى الواقعيون ان حالة الفوضى التي يعشيها العالم لا يمكن التحكم بها ولا توجد هناك سلطة سيادية تعمل على انفاذ احكام القانون وتضمن معاقبة المعتدى، ولا يوجد هناك من ينظم سلوك الدول نحو بعضه، حيث تسعى الدول لتحقيق مصالحها بدون مراعاة للقوانين أو الاخلاقيات. وتمثل الدولة لدى الواقعيون السيادة العليا التي لا تعلوها سلطة، كما ترى الواقعية انه لا يوجد هناك سلام دائم في العالم وتعد الحرب والقوة هي وسيلة الدول في صناعة عظمتها وقوتها بل وحتى في بقاءها. وبدلاً من التركيز في نزع سلاح الدول لإحلال السلام فإن على الدول ان تسعى الى تعزيز قدراتها العسكرية والاستعداد للحرب، وتلك هي الفرصة السانحة أمام الدول لإيجاد كيان قوي يقف في وجه أي عدوان محتمل عليها بل وأن الحرب هي وسيلة الدول في ضرب خصومها ومنع الدول الاخرى من أن تصبح دولاً قوية حتى لا تشكل تهديد عليها (7).
ويرى ميكافليي في نظريته الشهيرة الغاية تبرر الوسيلة انه يجب على الدولة كسر كل وعودها وتعهداتها في حال وجدت مصالحها في ذلك، فمن الأفضل أن تصنع الخوف والرعب لدى الاخرين من أن تكن محبوباً، ولذلك يُتَّهم ميكافيلي بكونه مفكر لا أخلاقي كونه يدعوا الى النكوص بالعهود والمواثيق ولا يرى لها قيمة في سلوك الدول، وتقابلها نظرة توماس هوبيس في عدوانية الطبيعة الإنسانية وطبيعة الدولة في سعي الانسان لاضطهاد الاخر واستغلاله وقهره كذلك تفعل الدول الكل ضد الكل (8).
وتعد النظرة التشاؤمية للمنظور الواقعي في إسقاطها المتطرف للغريزة البشرية على جسم الدولة بكاملها، تفكير أحادي في تصورها للعالم من منطق أنا وما دوني فهو عدو ويجب استخدام القوة المفرطة وغير المشروطة في مواجهته. هذا التوجه يساهم في ايقاد جذوة الصراعات في العالم ويقلل من إمكانية إيجاد هامش للتعاون والتحالف الدولي. وتمثل عاصفة الحزم -وفقاً للواقعية- التي ينفذها التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية والتي انطلقت في 26 آذار /مارس 2015م بطلب من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لاستعادة الشرعية وانهاء الانقلاب وتحرير المدن من سيطرت المليشيات الانقلابية (9)[4] سعياً لحماية ذاتها من أي تهديد يشكل خطر على أمنها، ويجسد المنطق الواقعي للسعودية في استخدام القوة في فرض قوتها خصوصاً حينما تصاعدت المخاطر بالقرب من حدودها متمثلة بجماعة الحوثي التي تتهمها السعودية بأنها مدعومة إيرانياً لتهديد أمنها، وعلى الرغم من الجرائم والكوارث الإنسانية التي يرتكبها التحالف في اليمن وتكلفة الحرب الباهظة التي يدفع ثمنها اليمنيين الأبرياء، والأوضاع الإنسانية والمعيشية البائسة وانتشار المجاعة واجتياح الأمراض وارتفاع حصيلة ضحايا الصراع، الا أن الفكر الواقعي لا يراعي لأي جانب أخلاقي ما دام يمثل مصلحة للطرف الاخر.



وتعد نظرية التبيعة في العلاقات الدولية أحد الاتجاهات الفكرية للمدرسة النقدية ضد النظرية التحديثية وبروز مفهومي التقدم والتخلف، وقد ظهرت نظرية التبعية في ستينيات القرن الماضي على مجموعة من المنظرين الماركسيين في أطروحات ما سمي بالماركسية الجديدة، ومنهم سمير أمين وفراندوا كاردسوا وأندريه فرانك واليغري ايمانويل والربيتش اروول وروبرت بيرنر وغارليس بيترلهايم. حيث تقوم النظرية على أربعة مفاهيم رئيسية تتمثل في نقد الازدواجية بين وعود الرأسمالية بالتقدم والمعيشة السعيدة للإنسان وبين سيطرتها على ادوات الانتاج وضياع الإنسانية، ومفهوم نظرية المركز والمحيط، والتبادل اللامتكافئ، والبرجوازية التابعة التي ينظر اليها الماركسيون على انها تعمق الطبقية وتمثل عائق داخلي في مواجهة الإمبريالية (10)    .
وقد مثلت النظرية محاولة لتفسير التخلف الذي تعيشه دول العالم الثالث، حيث ظهرت النظرية بعد أعقاب مرحلة التحرر من القوى الاستعمارية التي شملت دول افريقيا والعالم العربي ودول جنوب شرق آسيا وامريكا اللاتينية بعد أن تعرضت للاستغلال والاستنزاف من قبل القوى الاستعمارية، والتي ساهمت في تعميق حالة التخلف في تلك البلدان، وترى النظرية التحديثية الى أن الحل يكمن في سعي الدول المتخلفة الى اللحاق بدول العالم المتقدم وإنقاذ نفسها من الواقع الذي تعيشه، وذلك من خلال تبني النظام الرأسمالي الذي سيساعدها للتخلص من عوامل التخلف والفساد المهيمن عليها .
وتسعى الماركسية النقدية الى مقاومة الرأسمالية والدعوة الى حالة الثورة المستمرة والدائمة في الكفاح ضد هيمنتها على الاقتصاد العالمي والمحلي، حيث يؤمن الماركسيون أن الرأسمالية هي وراء تكريس التخلف في بلدان العالم الثالث، ويرجع المنظرون حالة التخلف والتبعية الى عدة عوامل منها سيطرة دول المركز القوي على دول المحيط، من خلال قدرتها الكبيرة في استيراد موارد تلك البلدان ثم إعادة تصنيعها وتقديمها لها بأسعار باهضه، وهذا يعمل على تعميق حالة السيطرة والتفوق لدول المركز ورفع الحاجة والاعتماد عليها من قبل دول المحيط. كما يساهم التبادل اللامتكافئ بين دول المحيط والمركز في تدفق حجم التجارة مما يصنع فائضاً اقتصادياً ضخماً لصالح النفوذ الأقوى لدول المركز. كما تلعب العوامل الداخلية والخارجية دوراً بارزاً في ترسيخ حالة التخلف، حيث يعتبر صعود البرجوازية داخل المجتمع عنصراً فاعل لتعميق حالة الطبقية في المجتمع، الامر الذي يحد من مواجهة الامبريالية الخارجية ويكرس حالة التخلف التقليدي للمجتمع (11)[5] .
وتقسم نظرية التبعية العالم الى قسمين هما المركز وهي الدول القوية، والمحيط وهي الدول الضعيفة المتأثرة من قبل قوى المركز بشكل سلبي. حيث ترى نظرية التبعية اننا لا يمكننا فهم واقع الدول الا من خلالها العودة لمعرفة ماضيها الاقتصادي وتاريخها الاجتماعي، وان تخلفها ليس بسبب أنها ضعيفة أو لا تملك موارد وانما يعود ذلك الى عوامل الاستعمار وتقدم الرأسمالية على حساب الدول الضعيفة بينما لا تزال الدول المختلفة كنتيجة عكسية لصعود الرأسمالية في الحالة التاريخية نفسها، وأن الدول المتقدمة حالياً لم تكن متقدمة من قبل.
وتسعى دول المركز الى حماية كيانها السيادي على أراضيها ومصالحها الوطنية داخل وخارج حدودها بكل الطرق والوسائل المختلفة، حيث تعمل على زيادة تفوقها وتقدمها بينما الدول الضعيفة أو ما تسمى بدول الهامش فإنها تتأثر سلباً من نفوذ الدول الأقوى فتزداد الدولة القوية قوة وصعوداً، بينما تتراجع الدول الضعيفة وتزداد ضعفاً وتخلفاً. الأمر الذي يجعلها عرضة لمؤثرات الدول الأقوى نفوذ وسيطرة في سبيل رعاية مصالحها وتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري بل وعلى المستوى الثقافي. وكلما حاولت الدول الضعيفة ان تلحق بركب دول المركز الأقوى، كلما ابتعدت تلك الدول بقدرات ضخمة لا تستطيع الدول الأضعف اللحاق بها وإنما تتحول الى سوق استهلاكي يدعم سيطرة ونفوذ الدول الأقوى على حساب مصالحه.
ويمثل السعي الجاد للسعودية للعب دور إقليمي وحضور دولي في المنطقة، خصوصاً في ظل تنامي قوى إقليمية أخرى منافسة وبالذات نفوذ المشروع الإيراني الذي بات يهدد منطقة الخليج عموماً والسعودية على وجه التحديد بعد ان توسعت إيران في أربع عواصم عربية في بغداد ودمشق وبيروت ومؤخراً صنعاء، وهذا اثار مخاوف السعودية من مهاجمة إيرانية محتملة وتعريض امنها ومكانتها للخطر. انعكس بطبيعة الحال على تعاملها مع المحيط الإقليمي والدولي بما يخدم مشروعها الساعي لحماية مصالحها ونفوذها في المنطقة وبالتحديد في علاقاتها مع اليمن باعتباره عمق استراتيجي لأمنها وحديقة خلفية لتصفية حسابات خارجية قد تتعرض لمصالحها.
ولذلك فقد عملت المملكة على منح الشأن اليمني عناية خاصة في اجندة اهتمامها تاريخياً، لضمان بقاءه خاضعاً لإرادتها كما تريد له لا كما يمليه عليه مشروعه الوطني، وتسعى للتأثير على القرار السياسي بمختلف الوسائل والطرق المتاحة للتدخل في شؤونه وضمان استجابته لمصالح نفوذها. ولذلك فقد لعبت دوراً بارزاً في ثورة 26 أيلول /سبتمبر 1962م (12)[6].في دعم النظام الملكي في شمال اليمن وتثبت دعائمه ضد الثورة الوليدة الساعية الى اسقاط النظام الملكي وإقامة نظام جمهوري عادل يستند الى الدستور والقانون ومشاركة الشعب في السلطة الذي يعد المصدر الأول للسلطات.
ولذلك سعت لإجهاض الثورة والحفاظ على النظام الملكي آنذاك الذي ضمنت ولائه، وخوفاً من قوى الجمهورية التي قد ربما تأتي بنظام لا تنسجم مع استراتيجيتها بشأن اليمن، ويساهم في سحب بساط النفوذ السعودي في التأثير على القرار السياسي اليمني، واستمرت الحرب زهاء خمسة أعوام بين قوى الثورة المدعومة من قبل النظام المصري لتثبيت دعائم الجمهورية في ظل الحملات الخارجية التي واجهتها من الملكيين المدعومين من السعودية في مواجهة قوى الثورة. وانتهت بتوقيع اتفاق الخرطوم 1967 بين مصر والسعودية قضى بسحب مصر قواتها من اليمن مقابل إيقاف السعودية لدعم الملكيين في مواجهة الثورة، ثم اتجهت السعودية الى انشاء ما سُمي ” باللجنة الخاصة ” للإمساك بخيوط اللعبة في ايديها والسيطرة على القوى وأصحاب النفوذ القبلي المدين لها من خلال إعطاء مبالغ مالية لمشايخ القبائل مقابل الاحتفاظ بولاء الجناح القبلي لها والتأثير على القرار السياسي ليتم تطويعه في خدمة اجندتها.
ويمثل حرص السعودية على إجهاض أي مشروع من المحتمل ان يقلل من نفوذها على مركز القرار السياسي لليمن، امتداد لفكرة بقاء اليمن هشاً ضعيفاً قابعاً تحت القبضة الملكية ويعاني المزيد من الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية ما دام يخدم مصالح الدول المهيمنة والغنية بالنفط، ما يضمن بقاءه معتمداً عليها ومرهوناً بما بتوافق مع مصالحها.
ويسعى تدخل السعودية بالشأن اليمني لتطويعه في خدمة نفوذها وضمان سيطرتها على متغيرات الحركة السياسية، حيث عملت السعودية على إبقاء اليمن هشاً ومنقسماً يخضع لمقاساتها الخاصة وتنفيذ اجندتها التي تخشى من أي محاولة قد تتسبب في نشوء كياناً قوياً يحمل مشروع طموح بجانبها، خصوصاً بعد نجاح النظام الجمهوري في اليمن الوحيد في المنطقة التي تحكمها ملكيات مطلقة في الغالب. وتعود تلك النظرة الى اعتقاد سعودي تاريخي قائم على وصية من الملك المؤسس الراحل الملك عبد العزيز ال سعود حينما حذر أبناءه وهو على فراش الموت أن خيرهم وشرهم من اليمن (13)[7]
ولهذا فإن إخماد أي مشروع ناشئ قد يساهم في جعل اليمن خاضعة بشكل مباشر أو غير مباشر لمحك تأثيرها، ويعمق نظرتها لليمن على انه بلد ثانوي لا دور له يذكر، ما يضمن بقاءه هامش للمناورة السياسية والعسكرية، وجعلها ساحة مفتوحة للحرب بالوكالة كما يحصل حالياً بينها وبين إيران كمراكز قوى، بينما يتعرض اليمن للإنهاك والاستغلال في سبيل حماية نفوذ وسيطرة القوى الكبرى. حيث تستخدم كل وسائل القوة العسكرية والسياسية في حماية مصالحها وإخضاع الاخر لدائرة نفوذها وفقاً للتفكير الواقعي.
يعزز ذلك الحرص السعودي لمواكبة طبيعة الحراك السياسي اليمني والمتغيرات التي تطرأ عليه بفعل التحولات المستمرة في خريطته السياسية، بالذات من أربعينيات القرن الماضي منذ ثورة الدستور 1948 وليس انتهاء بثورة فبراير2011 وإفرازاتها، مما ساهم بطبيعة الحال في بروز تغييرات في بنية النظام السياسي وإعادة ضبط بوصلة العلاقات الإقليمية الدولية بين اليمن ومحيطه الإقليمي والدولي وتحديداً علاقاته مع السعودية. والسعي لتحقيق استقلاليته عن مركزية التأثير الإقليمي والنهوض بمشروع وطني يسهم في بناء دولة تعيد صياغة علاقاتها من منظورها الذاتي ومصالحها. وهذا الامر اثار نوعاً من القلق لدى دول القوى المسيطرة من تقليص نفوذها في المحيط، بل وإخفاقه يعزز تقدمها فيما يمثل علاقة طردية وعكسية في الوقت ذاته، فتقدم دول المركز يستفيد من تراجع وتخلف دول المحيط، وكلما حاولت الدول الضعيفة اللحاق بالدول القوية، كلما حققت الدول القوية تقدم مهول للحفاظ على مستوى التوازنات بين الدولتين لتبقى الدول الهامشية في دائرة الحاجة لدول المركز حتى لا تشكل أي تهديد لها.
وترى نظرية التبعية أن دول المركز تسعى الى التأثير على دول الهامش مما يضطرها الى تبعيتها خوفاً من العزلة الدولية أو العقوبات، أو من خلال احتواء الدول القوية للطبقات المؤثرة في الدول الضعيفة، بل إن الدول الضعيفة تسعى الى انتهاج سياسات مماثلة تحاكي النموذج المتقدم ما يجعلها تابعة سياسياً وثقافياً تحت تأثير قوى المركز. وعلى سبيل المثال فإن الموقف السعودي من الوحدة اليمنية 1990 (14)[8]، كان مناهض لمشروع الوحدة وساعي لإفشاله، حيث كانت السعودية ترى في الوحدة خطوة تسهم في جعل اليمن قادراً على تأهيل نفسه للعب دور مغاير لأجندتها، وبالتالي تفقد أي محاولة للتأثير على القرار السياسي حالماً استقرت الظروف السياسية وشرعت اليمن تتجه نحو تجاوز عقباتها الداخلية.
ويعزز ذلك دورها في حرب الانفصال في صيف 1994 (15) بين جناح الرئيس علي عبد الله صالح والقوى الموالية لمشروع الوحدة وبين جناح نائبه علي سالم البيض الذي قاد مشروع الانفصال عن السلطة المركزية وفق دستور الوحدة، حيث وقفت السعودية بقوة مع مشروع الانفصال ودعم القوات الجنوبية على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والإعلامية، بهدف دعم تقسيم اليمن حتى يبقى ضعيفاً ممزقاً يعاني أزماته الداخلية ويخوض حروباً ونزاعات ويظل غارقاً بها لتتمكن من استعادة نفوذها عليه كجزء من نفوذ سيطرتها في المنطقة. وبالتالي صراعات القوى الجنوبية والشمالية سيجعل كل طرف يحتاج الى دعم خارجي ومساندة إقليمية ودولية مما يعمق نفوذ السعودية ويجعل الاطراف معتمدة عليها لتحقيق أي انتصار على الطرف الاخر، أو حتى في كيانين منفصلين ضعيفين يسهل عليها احتواء الطرفين وهذا ما يتعذر تحقيقه في ظل قيادة مركزية موحدة. وكان موقف اليمن في حرب الخليج الثانية 1991 حينما اجتاح العراق دولة الكويت منحازاً الى جانب العراق خارج سرب الموقف الخليجي، قد اثار سخط السعودية وعزز من مخاوفها من وجود قوة لا تنسجم مع توجهاتها لذلك عملت بقوة في دفع عجلة الصراع بانتصار قوى الانفصال بكل الوسائل المختلفة.
ترى المدرسة الماركسية أن الحل الوحيد للانعتاق من عبودية التبعية تتمثل في التخلص من المركز ومواجهة كل اشكال الاستغلال الامبريالي حتى تستقل البلدان النامية وتنطلق في مشروع منافس لتتمكن من تخطي عوامل التخلف. وبالتالي فقد مثل اندلاع الثورة اليمنية في 11 شباط/فبراير2011 مؤشرات جادة للتخلص من تبعية المركز، وهذا سبب قلقاً بالغاً لدول الجوار وبالذات السعودية من ناحية خوفاً من اجتياح تيار الربيع العربي إلى بلدانهم ضد الأنظمة الملكية، ومن ناحية أخرى توجساً من أن تأتي الثورة بقوى سياسية قد لا تخدم البعد الاستراتيجي للمنطقة. وامتداداً لذلك البعد فقد ناهضت الثورة ونظرت اليها بقلق” حيث تعتقد ان الثورة هي وسيلة الاخوان المسلمون للوصول الى السلطة، حيث تقف السعودية بقوة في وجه مد الفكر الاسلامي ولذلك فقد كان علي صالح برغم الحساسيات وتعرجات العلاقة احياناً وعدم الثقة احياناً اخرى، الا انه في هذا الموقف يمثل الحليف القوي في مواجهة مشروع الثورة”(16)[9] .
وهكذا دفعت بكل قوة لحفظ نظام علي عبد الله صالح لتبقى على صيغة التوازنات الاولى بما يضمن احتفاظها بنفوذها ومقدرتها على التأثير في القرار السياسي  لضمان خدمة أجندتها، سواء عن طريق  النظام السياسي أو من خلال مشائخ القبائل التي عملت احتواءهم ضمن نطاق الولاء والاخلاص لها وبالتالي احتواء القرار السياسي في حال اي تغيير قد يطرأ على علاقاتها مع النظام القائم مما قد يقوض نفوذها، بل إن تردي الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية يسهم في بقاءه داخل الإطار الذي يضمن لها انشغاله في قضاياه الداخلية خاضعاً ومعتمداً على المساعدات الخارجية مقابل الولاء ومنحها مزيداً من النفوذ ، فضلاً عن بقاء نظام قمعي يعمل على اخماد اي حراك شعبي يناهض ذلك المسار وبذلك تتسع دائرة نشاطها الاستراتيجي في المنطقة.
الخاتمة:
ان حالة الفوضى في دائرة النظام العالمي الذي تفترضه النظرية الواقعية، قد منح الدول الحق في صنع الفوضى ذاتها في المحيط الدولي، وساهم في إشعال فتيل الصراعات ونشر العنف وتكريس لحالة التنافر بين الأمم والشعوب. كنتيجة طبيعية لسعي الدول في انفاذ رغبة السيطرة والتوسع في سبيل مصالحها على حساب الاخر وتقويض لعملية السلام الدائم بين الدول.
ويعزز من ذلك المفهوم سعي الدول القوية الى فرض هيمنتها وسيطرتها على الدول الأضعف، وتعزيز قدراتها المادية وتحصيناتها المختلفة لضمان بقاءها في دائرة المهيمن على الدول المحيطة بها واستغلالها وفقاً لنظرية التبعية.حيث يعمق ذلك التنافس من أجل القوة والسيطرة والنفوذ من حالة الاضطراب وتصاعد القلق في المجتمع الدولي، في ظل غياب القانون الدولي والانساني الذي يساهم في كبح الغطرسة الدولية والحد من حالات الفوضى التي تسعى من خلالها الدول لاستغلال بعضها البعض باستخدام القوة لتحقيق مصالحها دون اعتبارات اخلاقية او قانونية تعمل على حفظ مصالح الدول واستقلالها  .
ويبدو الدور السعودي من المنظور الواقعي والنقدي حاسماً في ضبط ايقاع علاقاتها مع اليمن تاريخياً، كونها تحظى بثقل اقليمي ودولي يمنحها القدرة على المناورة السياسية والعسكرية لتوسيع نفوذها على المحيط الضعيف بما يخدم سياساتها. ولهذا فقد سعت الورقة لتسليط الضوء على جزء من طبيعة العلاقات السياسية اليمنية السعودية في ظروف التحولات السياسية الهامة وفقاً للتوجه النقدي الماركسي والواقعي، حيث برز الدور السعودي بوضوح ليعكس مسار التحول نحو توجه يمكنّها من الاحتفاظ بنصيب كبير في التحكم بمجرى الاحداث، وهذا يساهم في تفسير استمرار الحرب الدائرة في اليمن لما يقرب من ثلاثة أعوام لضمان نفوذها وحماية مصالحها، برغم الآثار المأساوية والكارثية الناجمة عن الحرب التي لم تضع أوزارها بعد.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->