مساحة إعلانية 728×90

الصعود الصيني عند الواقعيين الجدد. لماذا لن يكون صعود الصين صعوداً سلمياً؟


جلال خشيب

ملخّص:

تُقدّم هذه الدراسة قراءةً نظريةً لمسألة الصعود الصيني كما تراها أكثر المقاربات النظرية تأثيراً وهيمنةً على حقل التنظير في العلاقات الدولية، أي الواقعية الكلاسيكية الجديدة، وذلك انطلاقا من قناعةٍ علميةٍ تُحاجج باستحالة تفسير سلوك الفواعل الدولية الكبرى من دون الاستعانة بنظريةٍ مُرشدةٍ جيّدة، فضلاً عن التنبؤ بالمسار الذّي سيأخذه هذا السلوك في المستقبل. سوف تُحدّد الدراسة جملةَ المنطلقات النظرية والمبادئ الأساسية التّي ينطلق منها الواقعيون الجدد في تفسيرهم للمنطق الذّي يحكم لوكات الدول في بيئتيْها الإقليمية والدولية، مُحدّدةً العوامل التّي تُشكّل هذا المنطق ابتداءً، لتستعين طيلة الدراسة بهذه الخلفية النظرية في المحاججة باستحالة الصعود السلمي للصين في المستقبل المنظور.

مقدّمة:

تُعدُّ مسألة الصعود الصيني من أكثر المسائل المتناولة من قِبل أصحاب المنظور الواقعي عموماً ومنظري الواقعية الكلاسيكية الجديدة في شقيها الدفاعي والهجومي على وجه الخصوص، فقد أراد باحثوا هذا المنظور تطوير تفسيراتٍ عديدةٍ لسلوك القوى الصاعدة عبر التاريخ، مقتضيات هذا الصعود، أثر هذا الصعود على السلوك الخارجي للدولة الصاعدة ذاتها، فضلاً عن نمط الاستجابة الذّي من شأنه أن يحفزّه هذا الصعود لدى القوى المهيمنة، القوى المنافسة وكذا قوى الجوار الإقليمي المتأثّرة بهذا الصعود بشكلٍ مباشر. لذلك كانت أكثر التساؤلات المطروحة بخصوص مسألة الصعود الصيني تتعلّق بالاتجاه العام الذّي سيأخذه هذا الصعود، هل سيكون صعوداً سلمياً أم لا؟ بمعنى هل ستُحوّل الصين مستقبلاً إمكانياتها الاقتصادية إلى قدراتٍ عسكريةٍ هجوميةٍ تجعل منها مهيمناً إقليمياً أو عالمياً، أم أنّها مجرّد مخاوفٍ وهميةٍ مقصودةٍ تهدف لتبرير استراتيجيات الدول التّي تتضرّر مصالحها بهذا الصعود الصيني السريع؟
يفترض الواقعيون الجدد ويُحاججون طبعاً بأنّ الصعود الصيني لن يكون صعوداً سلمياً على الإطلاق، سوف تُحاول هذه الدراسة التركيز على المنطلقات النظرية التّي جعلت الواقعيين الجدد يصلون إلى هذه النتيجة، عبر مناقشة ثلاثة تساؤلاتٍ مترابطة:
  • هل سيكون صعود الصين صعوداً سلميا؟
  • هل تُعدُّ الصين قوّة إقليميةً أم قوّةً عالمية؟
  • هل تُعّد الصين الصاعدة قوةًّ مُحافظةٍ على الوضع القائم أم قوّةً تعديليةً ثوريةً في النظام الدولي؟

أولاً: منطلقاتٌ نظرية: التفسير الواقعي الجديد لسلوكيات الدول:

يستخدمُ البروفيسور جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو مصطلح “المنظور الواقعي” ليُعبّر به عن مجموعةٍ من النظريات التّي تتقاسم ذات المعتقد1، خصوصاً تلك التّي تُحاججُ بأنّ الدول هي الفواعل الأساسية في السياسة الدّولية ولا وجود لسلطةٍ عُليا فوق سلطتها، فغياب هذه الهراركية في النظام الدّولي هي ما يسمى بالفوضى الدولية والتّي لا تعني تلك الفوضى المرادفة للعنف ولكن تعني ببساطة أنّ للدول سيادةً سياسيةً فعلية. الأكثر من ذلك، فإنّ حسابات القوّة تُهيمن على تفكير الدولة، كما أنّ الدول تُنافس بعضها البعض من أجل القوّة، فهناك صيغةٌ صفريةٌ لهذا
التنافس والتّي تكون في بعض الأحيان شديدةً وغير متسامحة. من المؤّكد وجودُ تعاونٍ بين الدول، لكن في الأصل هناك صراعٌ على المصالح بينها لا تناغمٌ حول هذه المصالح. أخيراً، فإنّ الحرب تعدّ وسيلةً شرعيةً تتّبعها الدول، يختصرها كلاوزفيتز في مقولته الشهيرة: “الحرب هي امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى”.2
بتفصيلٍ متناغمٍ أفضل، يوضِّح البروفيسور جون ميرشايمر ما يؤمن به المنظور الواقعي، سيما تياره البنيوي الكلاسيكي الجديد الذّي يتزعمه، ويؤكّد أنّ تعاملنا مع بنية النظام الدولي تقتضي منّا الانطلاق أساساً من خمسة فرضياتٍ مركزية ترسم لنا صورةً عامةً لطريقة سير النظام الدولي وطبيعة التفاعلات التّي تجري بين الفواعل في السياسة الدولية:
1، تُعتبر الدولة الفاعل الأساسي في النظام الدولي، ولا توجد سلطة عُليا محتكرة للشرعية تفرض سيطرتها على تلك الدول، وهو ما يُسمى بالفوضى في السياسة الدولية3 (Anarchy in The International politics)، خلافاً للهيراركية التّي تعرفها النُظم السياسية المحليّة للدول، أي أنّ الدول مُوزّعةٌ توزيعاً فوضوياً في النظام الدولي ولا وجود لسلطةٍ أعلى من سلطة الدولة، فالدول متموضعةٌ في النظام الدولي على غرار كرات البلياردو على طاولة اللعب.
2ـ كلُّ دولةٍ في النظام لديها قدرةٌ عسكريةٌ هجومية، وهي قدرةٌ تختلف في مستواها من دولةٍ لأخرى.
3ـ هو افتراضٌ مهمٌّ ويتعلّق بمسألة النوايا، فلا يمكن للدول أن تتأكّد من حقيقة نوايا نظيراتها4·، فالنوايا أمرٌ خفيٌ يقع داخل مراكز تفكير صنّاع القرار في تلك الدول، قد تتعرّف الدولة على القدرات العسكرية للدول الأخرى عبر الإحصاءات المنشورة عن عتادها العسكري لكن لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال معرفة من صاحب القرار النهائي داخل الدولة، وبالتالي لا يمكن توقّع سلوك تلك الدولة في وقت ما، فالنوايا غير قابلة للإثبات على الإطلاق، كما يستحيل معرفة طبيعة نوايا دولةٍ ما في المستقبل هل ستكون سلبيةً أم إيجابيةً، لأنّ الأمر ببساطة متعلّق بالغيب والمستقبل، ولا تستطيع الدولة أن تعرف أو تُقدّر ما سيحمله المستقبل من ظروفٍ وطوارئ قد تغيّر نوايا الدول الأخرى.
4ـ البقاء هو الهدف الأسمى لكلّ الدول، ليس الهدف الوحيد وإنّما الأسمى، منطقياً إذا لم تحافظ الدولة على بقاءها فكيف لها أن تحقّق أهدافاً أخرى، لذلك كان البقاء هو الهدف الأول بالنسبة للدول.
5ـ يرتبط هذا الاقتراض باعتبار الدولة فاعلاً عقلانياً يتّخِذُ قراراتٍ محسوبةٍ أو لنَقُل أنّ عملية صنع القرار تمرُّ بمراحل وعبر استراتيجيات تسعى لمضاعفة حظوظها بالبقاء.
هذه هي الافتراضات الخمس الكبرى التّي يقوم عليها المنظور الواقعي عموماً، سيما في تياره البنيوي الكلاسيكي الجديد والذّي يعكس نظرته لسير العالم والنظام الدولي، ويرى الواقعيون الجدد أنّ التفاعل الذّي يحصل بين هذه الافتراضات المركزية الخمسة يُنتج حسب هذه النظرة ثلاث سماتٍ أساسيةٍ لسلوك الدول.

السّمة الأولى: شعور الخوف:

فكلّ دولةٍ في النظام الدولي “تشعر بالخوف” من الدول الأخرى، والذّي يختلف مستواه من دولةٍ لأخرى، ويرجع سبب الخوف إلى عامليْن، يتعلّق الأول منهما –كما أسلفنا- بالقدرات العسكرية الهجومية للدول الأخرى وبعدم إدراك الدولة لنوايا الآخرين، فقد تكون الدولة بجانب دولةٍ أخرى تمتلك قدرةً عسكريةً هجوميةً أكبر منها ونوايا سيئةٍ تجاهها. أمّا العامل الثاني المؤدّي إلى الخوف فهو عدم وجود سلطة عليا في النظام الدولي تلجأ إليها الدولة إذا تورطت في مشاكل معينةٍ مع دولةٍ أخرى أقوى، لأنّ النظام الدولي نظام آناركي-فوضوي5، هذا الأمر يقود إلى السمة الثانية لسلوك الدولة وهي الاعتماد على الذات.

السّمة الثانية: الاعتماد على الذات

وهي نتيجةٌ حتميةٌ للمُقدّمات السابقة جميعاً، سيما غياب النجدة في النظام الدولي إلى جانب عامل الخوف من الآخر، وجب على الدولة أن تعتمد على ذاتها.

السمة الثالثة: الاتجاه إلى تقوية الذات:

فإن استطاعت أن تكون قوةً عظمى فلتكن، لأنّ الوسيلة الأفضل للبقاء في هذا النظام الفوضوي الذّي قد يضع الدولة بجانب دولةٍ أخرى “تسعى للمشاكل” هو أن تكون الأولى قوةً كبرى أو عظمى، فالدول القويّة لا يَعبث معها أحد على حدّ تعبير ميرشايمر،6 لذا كان على الدولة أن تزيد من قوتّها النسبية أو تسعى إلى تحصيل قوةٍ من بعد قوة، بعد أن تُؤّمِن هدف البقاء. فالدول في النهاية تسعى لمكانة الهيمنة، ليس للاعتداء على الآخرين بقدر ما أنّ ذلك هو الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء.
عموماً، هذه هي الخلفية النظرية التّي يرتكز عليها الواقعيون الجدد في تحليلهم لسلوكيات القوى الكبرى والتنبؤ بمساراتها في المستقبل المنظور، وهي ذات الخلفية التّي تجعلهم على قناعةٍ تامةٍ باستحالة الصعود السلمي للصين كما ستُفصّل فيه العناصر القادمة.

ثانيا: مسألة الصعود السلمي للصين:

تقودنا الافتراضات والمنطلقات الواقعية الكلاسيكية الجديدة (خاصّة في شقّها الهجومي) إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الوسيلة الوحيدة للبقاء في هكذا نظامٍ فوضويٍ –خاصة بالنسبة للقوى الصاعدة- هي أن تكون الطرف المُهيمن على بقية الوحدات. أمّا المقصود بمصطلح الهيمنة فيرى رائد هذا التيار البروفيسور جون ميرشايمر أنّه من المستحيل تحقيق الهيمنة العالمية، فالعالم كبيرٌ ومليءٌ بالمُسطّحات المائية (بحار، محيطات) أو ما يسمّيه “بالقوة الحاجزة للمياه”.
لذلك فمن الصعب أن تفرض دولةٌ ما، مهما بلغت من القوة، قوتّها وهيمنتها على الآخرين عبر المياه، لذا لا يمكنها أن تهيمن على العالم بأسره، وبالتالي فإنّ أفضل ما يُمكن فعله هو أن تكون الدولة القويّة صاحبة الهيمنة في إقليمها وحسب، أن تكون قوةً إقليميةً تتحكّم في محيطها الإقليمي المتواجدة فيه وحسب، في مقابل أن تضمن هذه الدولة وتسعى إلى منع أيّ محاولةٍ من الدول الأخرى للهيمنة على محيطها الإقليمي.
كما يتساءل ميرشايمر، من يهتّم بسيطرة دولةٍ أخرى على إقليمٍ آخر من العالم؟ فيجيب أنّه إذا تمكنت دولةٌ ما من إحكام سيطرتها على مُحيط إقليمها فهذا يعني أنّها جاهزةٌ لتوسيع دائرة نفوذها مدفوعةً ببحثها عن القوة إلى أن تصل إلى حدود دولةٍ أخرى أو نفوذ منطقةٍ ما تابعٍ لمحيطٍ إقليميٍ لدولة أخرى قويّة.7
كل ذلك يقودنا إلى الإقرار بوجود هدفين أساسيين يرتبط بالدول القويّة المهيمنة أو الصاعدة الطامحة على وجه الخصوص، يتمثّل الهدف الأول في أن تفرض هيمنتها على الإقليم المتواجدة فيه، أمّا الثاني فهو ضمان عدم قدرة أيّ دولةٍ أخرى أن تفعل الأمر ذاته في إقليمها8 (كخطوة استباقية تحول بينها وبين توسِعةِ نفوذها بعد أن يستقر لها الأمر وتُهيمن على إقليمها مثلما أوضحنا) ، بلغةٍ بسيطةٍ جدّا: أن لا تسمح للمُنافس بأن يُظهر نفسه أبدا.
في دراسة أخرى على “المجلة الصينية للدراسات الدولية”، يناقش جون ميرشايمر تلك الحجج القائلة بأنّ الصعود الصيني سيكون صعوداً سلمياً، فتقوده مقاربته النظرية إلى خلاف ذلك، إذ أنّ هناك ثلاثُ حججٍ أساسيةٍ تُستخدم في العادة لتأييد “هذا التكهّن المُتفائل”9 كما يقول:
الحجة الأولى، “يدّعي بعضهم أنّ الصين بإمكانها أن تُسكّن أيّ مخاوفٍ متعلّقةٍ بصعودها عبر توضيح ذلك لجيرانها وللولايات المتحدة بأنّ لها نوايا سلميّة، وأنّها سوف لن تلجأ إلى القوة لتغيّر ميزان القوة”، فوتيرة، نطاق وبنية التحديث العسكري الصيني من المحتمل بأن “تمنح لجيرانها ذريعةً للقلق إذا لم يتّم شرحها وتفسيرها بشكلٍ حذر، ولم تقم الصين بمدّ جسور التواصل مع الآخرين لبناء الثقة فيما يتعلّق بخططها العسكرية. الحاصل، فإنّ الاعتقاد هنا يتعلّق بمدى قُدرة بيجين على تقديم حضورها ونواياها المستقبلية لجيرانها بطرقٍ مُقنعة”.
الحُجّة الثانية: تتعلّق بقدرة الصين الحميدة على تجنّب المواجهة من خلال بناء قدراتٍ عسكريةٍ دفاعيةٍ بدلاً من قدراتٍ عسكريةٍ هجومية. بعبارة أخرى، “يمكن أن تُنبّه بيجين الآخرين على أنّها قوّة ستاتيكو عبر حرمان نفسها من القدرة على استخدام القوّة لقلب ميزان القوة.” قبل كلّ ذلك، يوضّح ميرشايمر أنّ دولةً ما بالكاد تحظى بأيّ قدرةٍ هجوميةٍ لا يمكن أن تكون دولةً تعديلية، لأنّ ليس لها الوسائل التّي تجعلها تتصرّف بعدوانية. “فليس من الصدفة، أنّ القادة الصينيين عادةً ما يدّعون أنّ جيشهم قد تمّ إعداده لغاياتٍ دفاعيةٍ وحسب”. في هذا الصدد يرى ميرشايمر هناك مشكلةً واحدةً مع هذه المقاربة وهي أنّه من الصعب التمييز بين القدرات العسكرية الدفاعية والهجومية على نحو جيّد، كما يحاجج بأنّ المفاوضين في مؤتمر نزع السلاح سنة 1932 حاولوا أن يُقيموا هذا التمييز فوجدوا أنفسهم مُكبّلين في عُقَدٍ، محاولين تحديد ما إذا كانت أسلحةٌ بعينها كالدبابات، وحاملات الطائرات أسلحةً هجوميةً أم دفاعيةً في طبيعتها. المشكلة الأساسية، هي أنّ هذه القدرات التّي تطوّرها الدول للدفاع عن نفسها عادةً ما يكون لها إمكانياتٌ هجوميةٌ كبيرةٌ كما يقول.
وبالنظر إلى ما تفعله الصين اليوم، يرى ميرشايمر أنّها تبني قدراتٍ عسكريةٍ لها قوةٌ كبيرةٌ دافعة، “يظّن أغلب القادة الصينيين أنّ أسطولهم البحري ذو توجّهٍ دفاعيٍ، حتّى وإن كان له قدراتٌ هجوميةٌ معتبرةٌ وسوف يكون له قدراتٌ أكبر في المستقبل.” في الواقع، فإنّهم يشيرون إلى استراتيجيتهم البحرية على أنّها “استراتيجية الدفاع عن المياه البعيدة.”
في هذا الصدد ينبّه ميرشايمر إلى تعليقات روبرت كابلان الذّي يُبدي اهتماما بالغاً بالصعود الصيني وأثره على منطقة الباسيفيك، إذ يرى من شبه المؤكد أنّه: “كلما تنامى الأسطول البحري الصيني من حيث الحجم والإمكانيات، فلن يعتبره أيٌّ من جيران الصين، بما فيهم أستراليا، أنّه أسطولٌ بحريٌ دفاعيُ التوجّه، سوف ينظرون إليه بدلاً من ذلك على أنّه قوةٌ هجوميةٌ هائلة. هكذا، فإنّ أيّ شخصٍ يستشرف نوايا الصين المستقبلية الحاسمة عبر مراقبة جيشها فمن المرجح أن يستنتج أنّ الصين عازمةٌ على الاعتداء.”
أمّا بخصوص الحُجّة الأخيرة، فيدّعي البعض بأنّ سلوك الصين مؤخراً تجاه جيرانها لم يكن سلوكاً عدوانياً على أيّ نحو، إنّ السلوك –كما يضيف ميرشايمر- لهو مؤشرٌ موثوقٌ عن الكيفية التّي ستتصرّف بها الصين في العقود المُقبلة، “الإشكالية المركزية المتعلّقة بهذه الحُجّة أنّ السلوك الماضي لا يُعتبر عادةً مؤشراً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه لمعرفة السلوك المستقبلي لأنّ القادة يأتون ويرحلون وبعضهم أكثر تشدّداً من الآخر أو أقلّ. أيضاً، فإنّ الظروف في الداخل والخارج يمكن أن تتغيّر بأشكالٍ تجعل من مسألة إستخدام القوة العسكرية أمراً جذّاباً بشكلٍ أكبر أو أقلّ.”
في النهاية يصل ميرشايمر إلى استنتاج مفاده أنّ بيجين اليوم: “لا تتمتّع بقوّةٍ عسكريةٍ هائلةٍ ومن المؤكّد أنّها ليست في موضعٍ يُتيح لها بأن تُشعِل قتالاً مع الولايات المتحدة، لا يعني هذا أنّ الصين نمرٌ ورقي، لكنّه يعني أنّها لا تمتلك القدرة على التسبّب في مشاكلٍ أكبر، حتّى في منطقة آسيا-الباسيفيك.” لكنّه مع ذلك يؤكّد أنّ وضعاً كهذا من المتوقع أن يتغيّر على نحوٍ ملحوظٍ مع الزمن، إلى الوضع الذّي سوف تمتلك فيه الصين قدرةً هجوميةً كبيرة: “بعدها، سوف نرى مدى التزامها بوضع الستاتيكو التّي عليه، لكن إلى غاية اللحظة لا يمكننا أن نقول أشياءً كثيرةً بخصوص سلوك الصين المستقبلي، لأنّ لديها شيئاً من القدرات المحدودة للتصرّف بشكلٍ عدواني”، والأمر الأساسي الذّي يُركّز عليه في النهاية هو ضرورة الاعتراف بعدم وجود: “طريقةٍ جيّدةٍ تمكنّنا من معرفة ماهية النوايا الصينية المُقبلة أو تمكنّنا من التنبؤ بسلوكها المستقبلي بناءً على سياساتها الخارجية في الآونة الأخيرة”،10 مع ذلك، لا يستبعد أنّ الصين سيكون لها من الواضح في نهاية المطاف جيشاً ذا إمكانياتٍ هجوميةٍ كبيرة.”

ثالثاً: الصين الصاعدة، بين الهيمنة الإقليمية والعالمية:

بدايةً، حريٌّ بنا أن نوضّح ما المقصود بالهيمنة وما الغاية منها بالنسبة للدول، فبناءً على فرضيات الواقعية الجديدة دوماً فإنّ هدف البقاء يُعدّ هاجساً حقيقياً بالنسبة للدول في نظامٍ فوضويٍ، لذلك كان السبيل الأمثل لتأمينه هو أن تكون الدولة المعنية أكثر قوةً من كلّ بقيّة الدول في النظام، لأنّ الدول الضعيفة من غير المرجح أن تهاجمها خوفاً من تعرّضها للهزيمة. لذلك، فإنّ الوضع الأمثل لأيّ قوةٍ كبرى هو أن تكون القوة المهيمنة في النظام، فبعد تحقيق هدف بقاءها تصير كلّ الأهداف تقريباً شبه مضمونة التحقّق وتتعدّدُ بشكلٍ لانهائي على حدّ تعبير كينيث والتز. إنّ المهيمن هو البلد الأكثر قوّة الذّي يتحكّم في كلّ بقيّة الدول، ولا تملك أيّ دولةٍ أخرى الإمكانيات العسكرية اللازمة لتطرح إمكانية القتال الجدّي ضدّه.
فالمهيمن هو القوّة العظمى الوحيدة في النظام. ويرى جون ميرشايمر أنّ هناك خطئاً في وصف الولايات المتحدة الأمريكية بالمهيمن الكوني أو العالمي، “لأنّه من المستحيل افتراضياً لأيّ دولةٍ –بما فيها الولايات المتحدة- أن تُحقّق الهيمنة العالمية” نظراً لوجود عائقٍ أساسيٍ يحولُ دون الهيمنة العالمية وهو “صعوبة دفع القوة عبر المسافات الضخمة، خصوصاً عبر الكُتل الهائلة للمياه على غرار المحيطيْن الأطلنطي والهادئ. لذلك كان المُحصّل الأمثل الذّي يمكن أن تصل إليه القوى العظمى هو تحقيق الهيمنة الإقليمية، أو ربّما القدرة على التحكّم في إقليمٍ قريبٍ يمكن الوصول إليه عبر الأرض.” 11
لعلّ أحسن مثالٍ نموذجيٍ لهذا السلوك هو ما قامت به الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر حسبما يحاجج ميرشايمر، إذ لم يكن قادتها آنذاك “مهتمّين بتحويل الولايات المتحدة إلى دولةٍ إقليميةٍ قويّةٍ وحسب، بل كانوا أيضاً عازمين على دفع القوى الأوروبية خارج المجال الغربي للكرة الأرضية، والتوضيح لهم أنّهم غيرُ مرحّبٍ بهم للعودة إلى نفوذهم الذّي كانوا عليه. عُرفت هذه السياسة -سائرة المفعول إلى يومنا هذا- “بعقيدة مونرو”.
بحلول سنة 1898، انهارت آخر الإمبراطوريات الأوروبية في الأمريكيتيْن وصارت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية القوة الإقليمية المهيمنة.” يضيف ميرشايمر أنّ: “الدول التّي تسعى لتحقيق الهيمنة الإقليمية لها هدف آخر: إنّها تسعى لمنع القوى الكبرى في الأقاليم الجغرافية الأخرى من إستنساخ ما أنجزوه في أماكن أخرى. بعبارة أوضح، فإنّ المهيمن الإقليمي لا يريد منافسين أنداد. على سبيل المثال، لعبت الولايات المتحدة دوراً مفتاحياً للحيلولة دون فوز كلٍّ من اليابان الإمبريالية، ألمانيا الإمبريالية، ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي بمكانة التفوّق الإقليمي.
يحاول المهيمنون الإقليميون اختبار الطامحين للهيمنة في الأقاليم الأخرى، لأنّهم يشعرون بالخوف من أن تمكُّن القوة العظمى المنافسة من الهيمنة على إقليمها الخاصّ سوف يجعلها بمثابة العدو القويّ الخاصّ الذّي يكون حرّاً بالأساس ليتجوّل في أنحاء المعمورة ويتسبّب في مشاكلٍ في حديقته الخلفية. تُفضّل القوى الإقليمية المهيمنة أن يكون هناك على الأقل قوتان عُظمتان يتواجدان معاً في أقاليمٍ أخرى، لأنّ قربهما من بعضهما البعض سوف يدفعهما لتركيز انتباههما على بعضهما البعض بدلاً من تركيز الانتباه على المهيمن البعيد. الأكثر من ذلك، في حالة ما إذا برز طرفٌ مهيمنٌ بينهما، فإنّ بقية القوى الكبرى في هذا الإقليم من الممكن أن تكون قادرةً على احتوائه من خلالها، سانحةً للمهيمن البعيد أن يبقى سالماً في أمانٍ على الهامش. خلاصةُ القول أنّه ولأسبابٍ استراتيجية سليمة، عملت الولايات المتحدة جاهدةً لأكثر من قرنٍ من الزمن على الفوز بالهيمنة الإقليمية، وبعدما حقّقت هذا الهدف، عملت على أن تضمن ألاّ تُهيمن أيّة قوّة كبرى أخرى على آسيا أو أوروبا على حدٍّ سواء، على النحو الذّي هيمنت به هي على المجال الغربي للكرة الأرضية.12
بناء على ما سبق، يصل ميرشايمر إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الصين سوف تتصرّف بنفس الطريقة التّي تصرفت بها الولايات المتحدة عبر تاريخها الطويل، إذ سوف تحاول الصين الهيمنة على إقليم آسيا-الباسيفيك أكثر من الطريقة التّي هيمنت بها الولايات المتحدة على المجال الغربي للكرة الأرضية، فلأسبابٍ استراتيجية سليمةٍ كما يقول: “سوف تسعى الصين لتعظيم هوّة القوة بينها وبين جيرانها الخطرين المحتملين على غرار الهند، اليابان وروسيا، سوف تريد الصين أن تعمل على ضمان أنّها الأكثر قوّة من أيّ دولةٍ أخرى في آسيا تمتلك الوسائل اللازمة لتشكّل تهديداً لها. ليس من المرجّح أن تسعى الصين لتحقيق قوّةٍ عسكريةٍ متفوّقةٍ يمكن أن تقودها إلى طريق الحرب وغزو الدول الأخرى في الإقليم، على الرغم من أنّ هذا الأمر يبقى دوماً محتملا.
بدلاً من ذلك، فمن المرجح أكثر أن بيجين سوف تريد أن تملي حدوداً مقبولةً لسلوكيات الجيران، أكثر من الطريقة التّي جعلت بها الولايات المتحدة الأمر واضحاً للدول الأخرى في الأمريكيتيْن أنّها هي الزعيم. يمكن أن أضيف أيضاً، أنّ الفوز بمكانة الهيمنة الإقليمية هي الطريقة الوحيدة المحتملة فقط التّي تُمكّن الصين من استرجاع تايوان.”
يضيف: “من المتوقّع أيضاً أن تحاول الصين الأكثر قوّةً أن تدفع الولايات المتحدة خارج منطقة آسيا-الباسيفيك، أكثر من الطريقة التّي دفعت بها الولايات المتحدة القوى الأوروبية الكبرى خارج نفوذ المجال الغربي للكرة الأرضية في القرن التاسع عشر.”
يتوقّع ميرشايمر أيضاً أن تُنتج الصين رؤيتها الخاصّة لمبدأ مونرو، مثلما فعلت اليابان الإمبريالية في ثلاثينات القرن العشرين. في الحقيقة، وأنّ هناك تلميحاتٍ عمليةٍ لهذه السياسة، فقد أوضح مسؤولون صينيون رسميون أنّ الولايات المتحدة لم يعد مسموحاً لها أن تتدخّل في بحر الصين الجنوبي، والذّي تنظر إليه الصين باعتباره “مصلحةً جوهريةً” على غرار تايوان والتبت. ويبدو أنّ الصين تشعر بنفس الشيء حيال البحر الأصفر. تساءل ميرشايمر في النهاية: “لماذا ينبغي أن نتوقّع أيَّ تصرّفٍ مختلفٍ للصين عن الولايات المتحدة عبر مسارها التاريخي؟ هل هم أكثر تمسّكاً بالمبادئ من الأمريكيين؟ هل هم أكثرُ أخلاقيةً؟ هل هم أقلّ قوميةً (وطنية) من الأمريكيين؟ أو أقلّ اهتماماً وقلقاً على بقاءهم؟” ليجيب: “لا يوجد في الحقيقة أيُّ أمرٍ من هذه الأشياء، بالطبع من المرجّح أن تُحاكي الصين الولايات المتحدة وتحاول أن تكون مهيمناً إقليمياً.” 13

رابعاً: الصين قوةٌ تعديليةٌ في النظام الدولي:

يُعتبر عاملي النوايا والقدرات محور تركيز الواقعيين الكلاسيكيين الجدد للتمييز بين دول الوضع القائم والدول التعديلية في بنية النظام الدولي، إذ ترى الواقعية الدفاعية أنّ القوى الكبرى تكتشف بالحدس النوايا الصالحة والشريرة من بين عوامل عدّة، كالتوازن الدفاعي-الهجومي والمؤشّرات السلوكية الأخرى، بعد ذلك يمكن لهذه القوى أن تضع سياساتٍ تعاونيةٍ أو نزاعيةٍ مبنيةً على اعتقادها بتلك النوايا.
أمّا الواقعية الهجومية، فترى أنّ جميع الدول الكبرى لها نوايا تعديلية إلى حين تحقيق الهيمنة، فالقدرات لا النوايا هي ما تهمّ الدول ويجب التركيز عليها أكثر، لأنّ الدول لا تكون في العادة متأكدةً من طبيعة نوايا الآخرين، فمن الصعب معرفةُ ذلك، حتّى وإن عرَفَتْ، فإنّه لا يوجد ما يضمن أن تبقى النوايا ثابتةً على الإطلاق. كمحصّلةٍ لذلك، فإنّ أفضل وسيلةٍ لضمان الأمن هي جمع أكبر قدرٍ من القوّة لمواجهة الخصوم المحتملين.14 بناءً على ذلك، يرى الهجوميين أنّ الدول تغيّر التوازن القائم كي يصبح في صالحها إذا كانت فوائد ذلك تفوق التكاليف، لذلك، تُعدُّ جميع الدول –بما فيها الصين- دولاً تعديليةً ما دامت لم تحقّق الهيمنة بعد.
يُقدّم راندل شفيللر ((Randall L. Schweller تمييزا أدّق من الذّي قدّمه أسلافه الواقعيين من قبل بخصوص المقصود بالقوة التعديلية، إذ يرى أنّ: “الدول التعديلية هي تلك التّي تُعظّم (تُعطي قيمةً أعلى) ما تشتهيه أكثر ممّا تمتلك حاليا15. سوف توظّف هذه الدول القوة العسكرية لتغيير الوضع القائم وتوسّع حدود ما تُعظّمه وتشتهيه”.16
باختصار، فإنّه كلّما تنامت قوّة الدولة فإنّها سوف تسعى إلى تغيير النظام الدولي من خلال التوسّع الإقليمي السياسي والاقتصادي، حتّى يصير هامش التكاليف الناجمة عن هذا التغيير مساوي أو أعظم من هامش الفوائد، على حدّ تعبير روبرت غيلبين أحد آباء الواقعية الجديدة.
انطلاقا ممّا سبق، يدّعي واقعيون جدد على غرار بوزان، سيغال، غيرنشتاين و مونرو (Buzan, Segal, Gernstein and Munro) أنّ الصين غيرُ راضيةٍ ببنية النظام الدولي القائم، بما فيها علاقات القوة التّي يولّدها هذا النظام، لذلك فهي تسعى لتحدّي الستاتيكو، كما يحاجج بعضهم هنا مثل (Yee and Storey) أنّ الهدف النهائي للصين هو تحقيق الهيمنة العالمية. لذلك، يرى الواقعيون أنّ التحدّي الذّي سيفرضه صعود الصين على المجتمع الدولي سيكون من الصعب جدّا تحاشيه، بل منهم من يرى أنّ آسيا ستصير متمركزةً حول الصين على غرار فريد زكريا.
أمّا ستيفنس، شوتر وروي (Stephens, Sutter and Roy) فيرون، بأنّ الصين ستتحدّى المكانة الأمريكية في شرق آسيا وأنّ ذلك سيخلق لعبةً صفريةً بين الطرفين، فوجود قوةٍ كبرى غيرُ راضيةٍ يؤدّي بشكلٍ محتملٍ إلى تحدّي الدولة المهيمنة وبالتالي إلى حدوث نزاعاتٍ وحروبٍ مثلما يحاجج بذلك كلٌّ من فرايبرغ، أورغانسكي وكوغلر (Friedberg, Organski and Kugler).17
نفس الصورة المتشائمة يرسمها جون ميرشايمر حينما يصرّ بأنّ النمو الاقتصادي الصيني الملحوظ من المرجح أن يقود في المستقبل إلى منافسةٍ أمنيةٍ خطرةٍ ثمّ بعد ذلك إلى حروب، وذلك انطلاقاً من قناعته الواقعية الهجومية التّي ترى بأنّ القوى الكبرى تسعى للبحث عن: “فرصٍ –مناسبة- لكسب القوّة على حساب بعضها البعض.” لذلك، على الولايات المتحدة ألاّ تتساهل –حسبه- في التعامل مع إمكانية أن تكون الصين منافساً نِدّا لها في المستقبل المنظور.18
كما يركّز ميرشايمر بقوّةٍ على عامل النوايا غير المدركة في رسمه لهذه الصورة السوداوية، فيرى أنّه لا يمكن للدول أن تكون متأكدةً من نوايا الدول الأخرى على الإطلاق، لا يمكن لها أن تعرف بدرجةٍ عاليةٍ من اليقين ما إذا كانت تتعامل مع دولةٍ تعديليةٍ أم مع قوّة ستاتيكو.
يقول: “يمكن أن يعتقد الواحد فينا أنّه يمكن للقادة الصينيين أن يستخدموا الكلمات ليشرحوا نواياهم، لكنّ الكلام يُعّد مجانياً ويعرف القادة مسبقاً كيف يكذبون على الجماهير الأجنبية. هكذا، فإنّه من الصعوبة بمكان معرفة نوايا القادة الصينيين الحاليين، وهم ليسوا مضطرين بالأساس للقول بأنّنا بالضرورة قادةٌ تعديليون. لكن حتّى وإن استطاع أحدهم أن يحدّد بشكلٍ حاسمٍ نوايا الصين اليوم، فليس هناك سبيلٌ لمعرفة كيف ستكون هذه النوايا في المستقبل. قبل كلّ ذلك، فإنّه من المستحيل تحديد هويّةُ من سيقود السياسة الخارجية لأيّ بلدٍ بعد خمسة أو عشرة سنوات من الآن، فضلاً عن إمكانية معرفة هل سيكون لهم نوايا عدوانيةً مستقبلاً أم لا، لا يمكن التأكّد بشكلٍ كافي أنّنا نواجه لا يقيناً جذرياً حينما يأتي الأمر لتحديد النوايا المستقبلية لأيّ بلدٍ بما فيها الصين.”19
بعيداً عن النوايا غير المتيقن منها، يلفت بعض الواقعيين النظر في محاججتهم هذه إلى التزايد اللافت في حجم القدرات العسكرية الصينية خلال الأعوام الأخيرة كمؤشّرٍ مهمٍّ يستندون إليه في تصنيف الصين كقوةٍ كبرى ذاتُ نوايا تعديلية، فالصين سوف تُوازن الولايات المتحدة في شرق آسيا كما يدعي الأستاذ سوين (Swain 2005) الذّي يؤكّد بأنّ الهدف النهائي لهذا التحديث العسكري الصيني المتطوّر هو مواجهة الولايات المتحدة. أما باتيس جيل (Bates Gill) فيلفت الانتباه إلى تنامي ميزانية الدفاع الصينية بشكلٍ كبيرٍ في العقدين الأخيرين، فقد نمت بمعدل مرتين من 1989 إلى سنة 2000، ثمّ حدث إرتفاع فيها بما نسبته 17 بالمائة سنة 2001، 17،7 بالمائة سنة 2000 و 9،6 بالمائة سنة 2003، كما سجّل جيل أنّ معدّل إنفاق الصين على مشتريات السلاح الخارجية كان حوالي 750 مليون دولار كلّ سنةٍ منذ سنة 1989 إلى سنة 1999. وفي سنة 2001 تضاعف الإنفاق مرتيْن قياساً بما كان عليه سنة 1999. ومن سنة 1999 إلى سنة 2008 تزايد الإنفاق العسكري الصيني بما نسبته 194 بالمائة وهو الأعلى من بين المنفقين العسكريين الخمس في العالم، وحسب الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لدراسات السلم الدولي SIPRI لسنة 2009 فقد صارت الصين لأولّ مرّةٍ في التاريخ أكبر منفقٍ عسكريٍ في العالم سنة 2008 .20
وفي قياسهم للسلوك الصيني وطبيعته تجاه مؤسّسات التعاون الإقليمية والدولية كمؤشّرٍ لتعديلية الدولة من عدمه، فقد لاحظ العديد من الباحثين الواقعيين منذ سنوات التسعينيات ذلك النمو النشط للدبلوماسية الصينية متعدّدة الأطراف تجاه قضايا التعاون في منطقة شرق آسيا على غرار كلٍّ من شوتر وكورلنتزيك (Sutter and Kurlantzick 2007) الذّيْن فسّرا ذلك على أنّه فعلٌ موجّهٌ لأجل إضعاف الهيمنة الأمريكية في شرق آسيا وتقويض التحالفات الأمريكية في الإقليم، فهدف الصين الإستراتيجي –حسب هؤلاء- هو دفع الولايات المتحدة خارج آسيا وتحقيق الهيمنة الإقليمية في نهاية المطاف، كما يرى شوتر أنّه ومن خلال تعزيز اتفاقية التجارة الحرّة مع دول آسيان وكذا تشجيع مجموعة آسيا فقط (آسيان+3) مع بقيّة دول شرق آسيا، فإنّ الصين تناور بشكلٍ صريحٍ لأجل استبعاد الولايات المتحدة من الإقليم.
أمّا كورلنتزيك فيرى بأنّه وعبر التعاون الإقليمي في شرق آسيا، فإنّ النفوذ الصيني ينمو على حساب الولايات المتحدة21 وسينتهي بالاستبعاد النهائي للولايات المتحدة من الإقليم ما إن تُتاح للصين فرصةٌ مناسبةٌ لذلك. إذن، فكل التصورات الواقعية تجعل من الصين الصاعدة حتماً قوّةً تعديليةً في بنية النظام الدولي.

خاتمة واستنتاجات:

يتضّح من الطرح المُحكم الذّي يُقدّمه الواقعيون الجدد -باختلاف تياراتهم- الأسباب التّي تجعلهم مقتنعين باستحالة الصعود السلمي للصين، فالمنطلقات النظرية لهؤلاء سوف تقود حتماً إلى هذه النتيجة التّي يُصعب دحضدها فعلاً، لكن وجب الإشارة إلى مسألتين أساسيتين هنا، ترتبط المسألة الأولى بالتحدّي النظري القادم من النظريات أو المنظورات الأخرى لما يُقدّمه الواقعيون الجدد، فلابّد من الإقرار بوجود طروحاتٍ أخرى ذاتُ منطلقاتٍ نظريةٍ مختلفةٍ نسبياً تصل بدورها إلى نتائج مختلفةٍ عمّا يصل إليه الواقعيون الجدد، على غرار أصحاب الطرح الليبرالي الجديد بمختلف تيّاراته أيضاً وإن تشارك هذا الطرح مع الواقعيين ذات المنظور (Paradigm) بمفهوم توماس كون، أو أولئك المنتمون للمنظور الما بعد وضعي أو البنائيون وغيرهم ممّن يُعيدون النظر من الأساس في “المبادئ البديهية” التّي يبني عليها المنظور الوضعي أسسه على غرار مبدأ العقل والعقلانية، العلم والمادة، التفسير والحتمية، انفصال الباحث عن المبحوث وما يُنتجه من موضوعيةٍ وحياد، وهذا ما يُحيلها إلى المسألة الثانية ذات الصلة والمتعلّقة بمدى موضوعية الطرح الذّي يُقدّمه الواقعيون الجدد بخصوص مسألة صعود الصين.
إذ يُبدي الواقعيون الجدد نزعَةً تفسيريةً موضوعيةً محضةً في تحليلاتهم تجعل المتابع لقراءتهم بخصوص المسألة في حالة انبهار تام وعجز عن تجاوز طروحاتهم المُحكمة، في وقت كان عليه إعادة التفكير في مدى صدقية ادعاء الواقعيين الجدد بالموضوعية والحياد والتزام التفسير العلمي كما يُحاججون.
لقد أبدى رائد المدرسة النقدية روبرت كوكس رأيه الشهير في هذه المسألة حينما قال بأنّ “كلّ نظرية تأتي لأجل شخصٍ ما ولأجل غرضٍ ما” نافياً بذلك إمكانية التزام التفسير الموضوعي الوضعي في المواضيع المختلفة التّي يُعالجها حقل العلاقات الدولية، بمعنى أنّ كلّ طرحٍ من الطروحات التّي يتبنّها هؤلاء الواقعيون الوضعيون هي طروحاتٌ تحمل في جوهرها قيماً ومعاييراً تدعو إليها على الأقل في شكل توصياتٍ لصنّاع القرار تُساعدهم على هندسة العالم بالشكل الأنسب كما يتصوّرون.
فهي طروحاتٌ تحاول “من حيث تدري أو لا تدري” بناء عالم الغد لا تفسيره وحسب كما تدّعي، وهو فارقٌ جوهريٌ جدّاً بين نظريات الوضع القائم أو التفسيرية أو العقلانية كما تُسمّى أيضاً المنتمية للمنظور الوضعي (على غرار الواقعية) وبين النظريات الثورية أو التكوينية أو التأمليّة أو نظريات الفهم كما تُسمى أيضاً المنتمية للمنظور ما بعد الوضعي بما فيها البنائيون. إنّ الإدراك الواضح لهذه النقاشات النظرية العميقة الناشئة أساساً في حقل الفلسفة وعلومها الاجتماعية المختلفة، أمرٌ من شأنه أن يُحدث نقلةً نوعيةً في طريقة تفكيرنا وبحثنا في مسائل كهذه على غرار مسألة الصعود الصيني ومستقبل النظام الدولي، حتّى ترتسم في أذهاننا صورةٌ مركبّةٌ غير تجزيئيةٍ أو إختزاليةٍ عن طريقة سير هذا العالم الذّي نعيش فيه أو نأمل أن يكون عليه في المستقبل المنظور والغامض الذّي ينتظرنا جميعا 21.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->