مساحة إعلانية 728×90

مآلات التصعيد المتبادل بين الهند وباكستان


د. دينا حلمي

تصاعدت التطورات سريعا بين الهند وباكستان، في الـ26 من فبراير 2019، فانتقلت الأمور من الحرب الكلامية، والتهديدات المتبادلة إلى الضربات العسكرية. وُصف الأمر حين ذاك كــ "أخطر تصعيد منذ عقود بين الدولتين". ولكن بحلول الـ 14 من مارس 2019، ظهرت بوادر لتهدئة الأوضاع بين
الجانبين، وصار هناك انطباع عاما بأن الأمور استقرت بين القوتين النوويتين. إلا أن بواطن الأمور لم تكن كظاهرها. ففي الـأول والثاني من أبريل 2019، تجددت المواجهات العسكرية مرة أخرى بمنطقة كشمير المتنازع عليها بين الجانبين، مما يطرح تساؤلا مهما بشأن الأزمة بين الدولتين وأسباب تفاقمها على هذا النحو، وكذلك آفاقها المستقبلية في ظل سباق التسلح القائم بينهما منذ سنوات.
أولا- التصعيد العسكري بين الهند وباكستان:
بدأ التصعيد بين الدولتين في الـ14 من فبراير 2019 حينما نفذ أحد أفراد جماعة "جيش محمد"، التي تتخذ من باكستان مقرًا لها، تفجيرًا انتحاريًا استهدف القوات العسكرية الهندية في كشمير، مما أسفر عن مقتل أكثر من 46 جنديًا. اتهمت الهند المخابرات الباكستانية بالتورط في الهجوم، ودعم تلك الجماعة. وتعهد رئيس الوزراء "ناريندرا مودي" بأن ينتقم "لكل دمعة" انهمرت جراءه (1).
في المقابل من ذلك، حذر رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" الهند من الانتقام الذي سيقع على رأسها إن اتخذت إجراءات عسكرية ضدها، وطالبها بتقديم أدلة تدعم مزاعمها بتورط باكستان بدلًا من إلقاء اللوم دون أي دليل، كما عرض مشاركة بلاده في التحقيقات (2).
رفضت الهند الأمر، فخرج المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الميجر جنرال آصف غفور، مهددًا إياها، مؤكدا أنه سيرد "بكل قوة على أي هجوم"، كما حذر من "القيام بأي مغامرة غير محسومة العواقب"، لكن الهند لم تصغ له. وفي الـ 26 من فبراير 2019، شنت غارات جوية على الأراضي الباكستانية، وأعلنت أنها ضربت معسكر تدريب يستخدمه مسلحو "جيش محمد"، كما وصفت الضربة بأنها "ضربة غير عسكرية" إذ إنها لم تستهدف أهدافًا تابعة للجيش الباكستاني، بل اتخذت إجراء "استباقيا" ضد "جيش محمد" (3).
أعلنت نيودلهي أيضًا أن الضربة أسفرت عن مصرع 300 عنصر من "جيش محمد"، إلا أن باكستان نفت الأمر، ونشرت صورًا لحفرة كبيرة في منطقة خالية، تؤكد من خلالها أن الهجوم لم ينتج عنه أي أضرار.
 وفي ظل هذه الأجواء، ازداد الضغط الشعبي داخل إسلام آباد، ووجدت نفسها مضطرة لكي تقوم بنوع من الرد على الهجوم، فقامت طائراتها باختراق المجال الجوي الهندي، وإلقاء بعض القنابل، إلا أنها أكدت أنها لم تستهدف أي هدف عسكري أو مدني، بل أرادت فقط أن تظهر للهند قدرتها على الرد بالمثل (4). وعلى هذا النحو، تبادل الطرفان إطلاق النار على جانبي خط الحدود(5).
ثانيا- أسباب الصراع على كشمير:
لم يكن الخلاف بين الهند وباكستان على تبعية كشمير الأول من نوعه، فدائمًا ما كان الإقليم الغني بالموارد موضع خلاف بين الدولتين حتى قبل الاستقلال عن بريطانيا عام 1947. 
يرجع هذا إلى أهمية الإقليم، إذ يُعد عمقا أمنيا للهند أمام الصين وباكستان، وتخشى الهند إذا سمحت له بالاستقلال على أسس دينية أو عرقية أن تفتح بابًا أمام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب فيها عرقية معينة أو يكثر فيها معتنقو ديانة معينة. أما باكستان، فتنظر إليه كمنطقة حيوية لأمنها، كما ينبع منه ثلاثة أنهار رئيسية للزراعة في باكستان، مما يجعل احتلال الهند لها تهديدًا مباشرًا للأمن المائي الباكستاني.
خاضت القوّتان النوويتان حربين بسبب النزاع على الإقليم (من ضمن ثلاث حروب وقعت بينهما)، كانت الأولى عام 1947 وانتهت بتقسيم كشمير عام 1949 إلى جزأين فيما بات يعرف الآن "بولاية جامو" و"كشمير" الخاضعة للسيادة الهندية، "وآزاد كشمير" (كشمير الحرة) التابعة لباكستان. أما الثانية فكانت عام 1965 ولم تنجح في تغيير هذا الوضع (6). وكادت الحرب الثالثة تشتعل عام 1999 حين خاضت الهند صراعاً مع قوات تنظيم "جيش محمد"،  إلا أن التدخل الأمريكي آنذاك أوقفها، إذ كان ذلك في العام التالي لإعلان البلدين امتلاكهما للسلاح النووي.  
وقد تأسس هذا التنظيم عام 1999 على يد داعية محلي يُدعى "مسعود أزهر"، ومعظم أعضائه من المقاتلين المنشقين عن جماعات جهادية أخرى، وهو يسعى لفصل كشمير عن الهند وضمها لباكستان.  وفي سبيل ذلك، لجأ إلى تنفيذ العديد من العمليات ضد الهند، والتي لم يكتف فيها بالمنطقة الحدودية بينها وبين باكستان، ولكن توغل داخل الهند ذاتها، حيث استطاع تنفيذ هجوم على مقر البرلمان الهندي في نوفمبر 2001، كما نفذ هجومًا آخر على قاعدة "باثناكوت" الجوية قرب الحدود الباكستانية مطلع عام 2016، فضلًا عن عدد من الهجمات الأخرى ضد القوات الهندية خلال عامي 2017، و2018 (7).
ورغم تلك الهجمات، فالحكومة الباكستانية دائمًا ما ترفض تلك الاتهامات، وتُعلن عدم توفر أدلة عليها، مما يتسبب بتفاقم الخلاف والتصعيد بينها بين الهند، ويعوق أي محادثات للسلام، كما كان الحال في 2016 حينما ألغى "مودي" زيارة كانت مقررة وقتها إلى إسلام آباد لعقد قمة إقليمية، وذلك عقب هجوم دموي على قاعدة عسكرية  في كشمير (8). ومنذ ذلك الحين، لم يحدث أي تقدم في المحادثات بين الدولتين.
ثالثا- أبعاد التصعيد بين الهند وباكستان:
بين هذه الصراعات السابقة، يلاحظ أن الهند لم تلجأ لاستخدام القوة الجوية إلا مرة وحيدة عام 1999 حينما تمت مهاجمة جيشها على خط المراقبة الذي يرسم الحدود مع باكستان. ولكن حتى في ذلك الحين، لم تقم بإرسال الطائرات الحربية إلى المناطق النائية بباكستان، وبالتالي فاستجابتها الآن تمثل خروجًا كبيرًا عن معايير المشاركة القائمة بين الجانبين (9).
يرجع هذا في أحد جوانبه إلى الاتجاهات المتشددة لرئيس الوزراء "مودي"، الذي كان من المدافعين عن سياسة خارجية قوية، ودائمًا ما أكد قدرته على الوقوف بوجه باكستان. أما الجانب الآخر، فهو الانتخابات الهندية المرتقبة في مايو من العام الحالى، والتي يُعاد انتخاب مودي بها. فهو يحاول توظيف الأزمة مع باكستان، والاستفادة منها للفوز بالانتخابات، بعدما أشارت نتائج الانتخابات المحلية التي جرت خلال الأشهر الماضية إلى أن حزبه الحاكم (بهاراتيا جاناتا) يواجه تحديًا صعبًا للاستمرار بالحكم.
فقد واجه هذا الحزب اتجاها قويًا معارضًا لاستمرار توليه السلطة، مع عودة ظهور حزب المعارضة الرئيسي "المؤتمر الوطني الهندي"، وأشارت نتائج الانتخابات إلى خروجه في اثنتين من الولايات المهمة (ماديا براديش وتشاتيسجار)، ونضاله للحفاظ على وجوده في ولاية (راجستان)، (10) وكانت هذه الولايات الثلاث هي التى مكنت مودي من تحقيق فوز كاسح في الانتخابات العامة الأخيرة(2014).
إلى جانب هذا، عجزت حكومة "مودي" عن الوفاء بوعودها الانتخابية الكبيرة قبل 5 سنوات، فلم تستطع تحسين أوضاع الزراعة والقرى، وتزايدت احتجاجات المزارعين الذين يمثلون نحو 31.55% من إجمالي سكان الهند الريفيين( يشكلون كتلة ناخبة مهمة تسعى الأحزاب السياسية لاستمالتها)، ولم تستطع توفير ملايين الوظائف كما وعدت، إذ لا تزال البطالة تمثّل مشكلة كبيرة بالاقتصاد، وقد ارتفع معدلها لأعلى مستوى منذ أربعة عقود خلال ( 2018-2017) حيث وصلت إلى 6.1% بعد أن كانت 3.4% في (2013-2014) (11). 
كذلك ألحقت الحكومة بالاقتصاد أضرارًا فادحة، حين غيرت فئات البنكنوت الكبيرة من العملة الهندية فجأة. وبعد ذلك بقليل، نفذت مشروع الضريبة المركزية الموحدة، مما أربك الاقتصاد الهندي وألحق به أضرارا بالغة لم يتغلب عليها حتى الآن.
وعلى هذا النحو، وجد الحزب الحاكم في الهجوم على الجنود بكشمير الفرصةَ التي كان يبحث عنها، وعمد سياسيو الحزب إلى استغلالها عبر مطالبات بالانتقام من باكستان والترويج للأمر في وسائل الإعلام والشوارع كذلك، حيث احتفل الهنود في الشوارع بعد أن انتشرت أخبار الضربات الجوية، وكان "مودي" يستخدم تلك الضربات الجوية لإثارة الحماس في المظاهرات، مؤكدا لأنصاره أن "الهند في أيد أمينة"، وأن "الحكومة تمكنت من تلقين الدرس لباكستان"، وذلك مع لوحة جدارية لضحايا كشمير عرضت خلفه (12). 
رابعًا- الموقف الدولي من الخلاف الباكستاني- الهندي:
في الجولات السابقة من التصعيد العسكري بين الدولتين، استخدم الرؤساء الأمريكيون الدبلوماسية لإقناعهما بالرجوع عن الحافة. كان هذا هو الوضع في عام 1999 ثُمَّ مجدداً في عام 2002، وكذلك في 2008 بعد هجمات مومباي، حينما سافرت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك "كوندوليزا رايس" إلى الهند لإقناع الحكومة بالتراجع عن القيام بردٍّ شديد خُطِّط له بعد تلك الهجمات. 
واليوم، ظهر التوافق الدولي مجددا بشأن ضرورة التزام الجانبين بضبط النفس، حيث التقى وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" نظيره الباكستاني ونظيرته الهندية، وأخذ تعهدات من الطرفين بعدم التصعيد. كما دعت كلًا من روسيا والاتحاد الأوروبي للطرفين بضبط النفس، وكذلك فعلت مصر ودول الخليج، مؤكدين ضرورة التهدئة ووقف التصعيد، وتغليب لغة الحوار. 
وبالفعل، كان لهذه الجهود آثار إيجابية في تهدئة الأوضاع إلى حد كبير، حيث انخفض مستوى التصعيد العسكري بين الجانبين، وأعلن وزير الخارجية الباكستاني "شاه محمود قرشي" عن عودة سفير بلاده لدى الهند (15). وقد ساعد في هذا خطوات للتهدئة والرغبة في عدم التصعيد من جانب باكستان بشكل أساسي، الأمر الذي ظهر في رد فعلها منذ بداية الأزمة، حينما دعا رئيس وزرائها إلى "إجراء محادثات مع الهند"، وموافقتها على عروض الوساطة من بعض الدول كروسيا، فضلا عن طلبها وساطة دول أخرى كتركيا، ومبادراتها بالإفراج عن الطيار الهندي الأسير لديها وإعادته إلى الهند.
وبالرغم من هذه المبادرات الباكستانية، فإن الحكومة الهندية يبدو أنها لا تزال لديها الرغبة في تصعيد الأوضاع وتوظيفها لمصلحتها في الانتخابات المقبلة. فبعد أن شعرت بالحرج في ظل الضغط الدولي للتهدئة بينها وبين باكستان، عادت مرة أخرى في الأول من أبريل 2019 لاستهداف القوات الباكستانية في الجزء الخاضع لسيطرتها في كشمير، مما دفع باكستان للرد على هذا الاستهداف غير المبرر كما أعلنت. 
خامسًا- الآفاق المستقبلية للصراع:
ثمة أسباب ومحفزات تدفع البلدين إلى التراجع، وتشير إلى عدم تطور التصعيد إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة، يأتي في مقدمتها امتلاك الجانبين للأسلحة النووية. فالهند تمتلك ما يتراوح بين 120 و130 رأسًا نوويا، وباكستان لديها ما بين 130 و140 رأسًا نوويا، وبالتالي فأي مغامرة عسكرية سيكون لها ثمن (13). 
وإذا كان يمكن للهند ضرب باكستان بقوة، نتيجة اقتصادها الذي يبلغ حجمه 8.5 ضعف الاقتصاد الباكستاني تقريباً، وجيشها الذي يبلغ أكثر من ضعف الجيش الباكستاني، ويحتل المركز الرابع على مستوى العالم، مقارنة بالجيش الباكستاني الذي يأتي في المركز الـ13، فإن اختلال التوازن هذا بين الطرفين معناه أنَّ السقف الذي قد تستخدم باكستان عنده الأسلحة النووية منخفضٌ نسبياً، فأي هجوم من جانب الهند قد يؤدي إلى عواقب غير محسوبة (14).
ورغم الضغط الداخلى بالهند للرد بقوة على باكستان، فإن نيودلهي دائمًا ما كانت مُقيدة بحقيقة امتلاك الجانبين هذا السلاح النووي. وقد ظهر هذا بجولات التصعيد السابقة بين الجانبين، كما كان الحال عام 2016 بعد هجوم على مدينة "أوري". فعلى الرغم من التحركات الميدانية والحرب الكلامية، فإن الهند سمحت بضربات محدودة، وتأكَّدت من عدم تصعيد الوضع.
أخيرًا، يمكن القول إنه إذا كانت التبعات السياسية لهذا التصعيد صعبة، فإن العواقب الاقتصادية ليست بالسهلة هي الأخرى، ولن تقتصر على حدود الهند وباكستان فقط، بل ستمتد إلى  اقتصادات الدول المرتبطة بهما، مثل وتركيا، وإيران، والصين، ودول الخليج، وكل ذلك سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي.
المصادر
(1) Joanna Slater and Pamela Constabl, The India-Pakistan relationship is facing the most serious escalation in decades. Here’s how it got to this point, Washington Post, February 26,2019, Available on:
https://www.washingtonpost.com/world/2019/02/21/trump-says-it-would-be-wonderful-if-india-pakistan-got-along-heres-why-they-dont/?utm_term=.b7fbf8b51072
 (2) باكستان تحذّر الهند من أي هجوم ينتهك سيادتها، البي بي سي، 19 فبراير 2019، متاح على:
http://www.bbc.com/arabic/world-47290978
(3) الهند تشن هجمات على كشمير الباكستانية والأخيرة تندد، دويتشه فيله، 26 فبراير 2019، متاح على:
https://bit.ly/2EQmEq7
(4) سلاح الجو الباكستاني يرد على مقاتلات هندية قصفت معسكرا في كشمير، وكالة سبوتنك، 26 فبراير 2019، متاح على: 
https://bit.ly/2H5zgLF
(5) الهند وباكستان تتبادلان القصف في إقليم كشمير المتنازع عليه، الدستور، 4 مارس 2019، متاح على:
https://www.dostor.org/2539429
(6) Joanna Slater and Pamela Constabl, The India-Pakistan relationship is facing the most serious escalation in decades. Here’s how it got to this point, ibid.
(7) "جيش محمد".. قصة تنظيم يشعل الحرب الرابعة بين الهند وباكستان، الدستور، 26 فبراير 2019، متاح على:
https://www.dostor.org/2533303
(8) رئيس وزراء الهند يلغي مشاركته في قمة إقليمية بإسلام آباد، رويترز، 27 سبتمبر 2017، متاح على:
https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN11X20D
(9) shikha dalmia, If America can launch military strikes in Pakistan, why can't India? The week, available on: https://theweek.com/articles/826158/america-launch-military-strikes-pakistan-why-cant-india
(10) حزب مودي يتقهقر في الانتخابات المحلية بالهند في عملية مراجعة لشعبيته، الشروق، 11 ديسمبر 2018، متاح على:
https://bit.ly/2TDMsho
(11)  تقرير: ارتفاع معدل البطالة في الهند لأعلى مستوى منذ 45 عاما، الشروق، 31 يناير 2019، متاح على:
https://bit.ly/2SPwM6q
(12) Josh K. Elliott Why India and Pakistan benefit from a ‘violent peace’ and the threat of war, globalnews, 2March, 2019, Available on:
https://globalnews.ca/news/5012554/india-pakistan-war-peace-kashmir
(13)  بالأرقام.. الميزان العسكري بين الهند وباكستان، روسيا اليوم، 27 فبراير 2019، متاح على:
https://bit.ly/2VFmK9N
(14) مقارنة بين الجيشين الهندي والباكستاني، وكالة سبوتنيك، 7 فبراير 2018، متاح على:
https://bit.ly/2IWXKJN
(15) عودة السفير الباكستانى إلى الهند بعد استدعائه على خلفية التوتر بين البلدين، 6 مارس 2019، متاح على:
https://bit.ly/2tSQMLy
يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->