الجزائريون يرسمون مستقبلهم


د.محمد عبدالرحمن عريف
 قد يكون البعض تعلم الدرس فحقًا هي كلفة كبيرة تحملتها الجزائر خلال عقد التسعينات، بسبب قرار وقف المسار الانتخابي، ففضلاً عن العطب السياسي والديمقراطي وتخريب الاقتصاد الجزائري واغراق البلاد في الديون، وحجم التمزق المجتمعي والآثار النفسية التي أفرزتها الأزمة، فإن الكلفة البشرية كانت كبيرة جداً. فالأرقام عن إجمالي ضحايا الصراع، صادمة حيث تشير إلى سقوط ما بين 120 إلى 200 ألف قتيل، و7400 مفقود، وربع مليون جريح ومتأثر من الحرب، وأكثر من 20 ألف معتقل في محتشدات الصحراء لعناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة. كما خسر نصف مليون عامل وموظف وظائفهم. وبلغت الخسائر المادية نحو 50 مليار دولار، وتمّ تخريب 40 ألف مؤسسة إنتاجية، وآلاف المدارس والمؤسسات التعليمية المعطلة وآلاف النازحين من القرى إلى المدن طلباً للأمن.
 بالعودة للأرقام الحقيقية عن إجمالي ضحايا الصراع، تشير إلى سقوط ما بين 120 ألفاً إلى 200 ألف قتيل ” في عام 1997 وجد قادة الجيش أنفسهم في مواجهة العنف المسلح وتوسع نشاط الجماعات المسلّحة، فضلاً عن تراكم المشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتفاقم المشاكل الاجتماعية ووقوع البلاد رهينة في يد صندوق النقد الدولي والمديونية، كما أُخفقت محاولات الحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، الذين كان بعضهم في السجون.
 أفضى كل ذلك إلى قانون الوئام المدني، الذي عُرض في استفتاء شعبي في سبتمبر/ أيلول 1999، سامحًا بإنهاء جزء كبير من الأزمة الأمنية وتحقيق استقرار أمني نسبي، لكن معضلات قانونية ظلّت معلقة، خصوصاً ما يتصل بالملفات القضائية للمسلحين التائبين وعائلات المفقودين والمسلحين المقتولين في المواجهات في التسعينات وغيرها. وهو ما دفع بالسلطة وبوتفليقة إلى تطوير هذا القانون إلى قانون المصالحة الوطنية، الذي أقرّ عفواً قضائياً ملغياً كل المتابعات القضائية في حق المسلحين العائدين من الجبل، وتسوية الوضعية القانونية في سجلات الوفاة، والحالة المدنية بالنسبة للمفقودين والمسلحين المقتولين، وتقديم تعويضات مادية لعائلاتهم.
 بعد مرور الأعوام،  تُظهر الاحتجاجات في الجزائر وردود الفعل عليها، على أن الانتقال إلى فترة ما بعد الحكم الطويل لبوتفليقة سيصاحبها عدة تقلبات، وذلك لأن الحراك الشعبي توسع ضد ولاية خامسة لبوتفليقة، الذي جلس على كرسي متحرك وبالكاد يستجيب مع محيطه. وكان رئيس الحكومة الجزائرية، أحمد أويحيى، قد حذر، من الاحتجاجات الحالية في بلاده، مقارناً إياها بأحداث بداية الحرب الأهلية في سوريا. في حين قامت حكومته بحظر التغطية الإعلامية للاحتجاجات.
 نعم مسيرات الجزائر تصرّ على السلمية عشرات آلاف الجزائريين ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة الجزائر، في حين أوروبا مرعوبة من احتمال خروج الوضع عن السيطرة الاحتجاجات المتواصلة، توضح أيضاً تراجع الدعم
الداخلي لنظام بوتفليقة، الذي تم انتخابه لأول مرة في عام 1999 كمرشح يرغب فيه الجيش.
 في حين أن الصراع بدأ قبل خمسة أعوام قبل خمسة من الآن، وذلك وقت إعادة انتخابه رئيساً للبلاد بشكل رسمي، كان قد بدأ بشكل فعلي صراع بوتفليقة مع التشبث بكرسي الحكم. إذ رفضت دائرة الاستعلام والأمن الجزائري (DRS) وأجزاء من الجيش، دعم بوتفليقة آنذاك مطالبين ببداية جديدة للبلاد. وبما أن الجيش والأجهزة الأمنية والشركات المملوكة للدولة، التي تقسم عائدات تصدير الغاز فيما بينها، لم تستطع تكوين رأي موحد حول خلف معين للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عاد الرئيس، المصاب بجلطة دماغية، من جديد إلى السلطة. ويقف الجنرالات بشكل خاص وراء تحريك كرسي بوتفليقة.
 قد يكون من بين صفوف الجيش، من يتحكم في المشهد السياسي، القوميون العرب، ممن تربطهم علاقة وثيقة مع فرنسا، وكل من يعمل على الحفاظ على منصب بوتفليقة. لكن على أرض الواقع، يمارس، سعيد بوتفليقة، الذي يقف على رأس حكم الأقلية في الجزائر، السلطة، بدل أخيه، الذي يكبره بعشرين عاماً، ويسعى الآن لخلفه. فكان من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في الـ 18 أبريل/ نيسان المقبل. وما يوسع دائرة الاستياء بين الشباب، الذين يشكلون أكثر من 40 في المائة من سكان الجزائر، البالغ عددهم 41 مليون، أنهم لم يعايشوا رئيساً آخر غير بوتفليقة، لأن أكثرهم أصغر من 25 عاماً. هؤلاء الشباب يريدون التغيير، وهم ضد إعادة انتخاب نفس الرئيس. وبدو أن الاحتجاجات في الأيام القليلة الماضية كانت مجرد بداية.
 لقد استقال بوتفليقة رضوخًا لضغط شعبي هائل في أعقاب أسابيع من الاحتجاجات الحاشدة على حكمه الذي استمر 20 عامًا. وأعلن بوتفليقة (82 عامًا) تنحيه في بيان نقلته وكالة الأنباء الجزائرية التي قالت إنه أبلغ المجلس الدستوري، بصفته رئيسه، قرار إنهاء فترته اعتبارا من الثاني من نيسان/ أبريل 2019. وجاء بيان بوتفليقة بعد قليل من مطالبة رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح باتخاذ إجراءات دستورية فورية لعزل بوتفليقة (82 عامًا) الذي أقعده المرض منذ أعوام. وقال صالح “لا مجال للمزيد من تضييع الوقت وأنه يجب التطبيق الفوري للحل الدستوري المقترح المتمثل في تفعيل المواد السابعة والثامنة و102 ومباشرة المسار الذي يضمن تسيير شؤون الدولة في إطار الشرعية الدستورية”. وأضاف “قرارنا واضح ولا رجعة فيه، إذ أننا نقف مع الشعب حتى تتحقق مطالبه كاملة غير منقوصة”.
 على أثر إعلان بوتفليقة التنحي، خرج مئات الجزائريين إلى شوارع العاصمة في وقت متأخر للاحتفال ولوحوا بالأعلام الجزائرية وقادوا سياراتهم عبر شوارع وسط المدينة التي اندلعت فيها احتجاجات حاشدة ضد بوتفليقة يوم 22 شباط/ فبراير. وأظهرت لقطات تلفزيونية على الهواء مباشرة رجلا يهتف “الله أكبر” ولافتة مكتوبًا عليها “انتهت اللعبة”. وتزايد الضغط خلال اليوم مع مطالبة جماعات المعارضة بوتفليقة بالتنحي على الفور وخروج مئات الطلاب في مسيرة للمطالبة باستبدال النظام السياسي الذي ينظر إليه على نطاق واسع على أنه عاجز عن القيام بإصلاح حقيقي.
 إن قرار بوتفليقة التنحي لن يغير من الأمر شيئًا وإن الاحتجاجات مستمرة. فالمهم بالنسبة للمحتجين هو عدم قبول حكومة تصريف الأعمال الجديدة. حيث أن الاحتجاجات السلمية ستستمر. ووفقًا للدستور الجزائري فسيتولى عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة رئاسة حكومة تصريف أعمال لمدة 90 يومًا لحين إجراء الانتخابات. وبوتفليقة من قدامى محاربي حرب الاستقلال عن فرنسا وانتخب رئيسًا للمرة الأولى عام 1999 ورسخ أقدامه في الحكم بنهاية حرب أهلية أودت بحياة نحو 200 ألف شخص.
 البلاد لا تزال غارقة في الفساد، وفي علامة على اقتراب نهاية حكم بوتفليقة جرى منع العديد من أقطاب الأعمال المقربين من معسكره من السفر للخارج في الأيام القليلة الماضية في إطار حملة على حلفائه. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن رئيس أركان الجيش الفريق صالح قوله “تمكنت هذه العصابة من تكوين ثروات طائلة بطرق غير شرعية وفي وقت قصير، دون رقيب ولا حسيب، مستغلة قربها من بعض مراكز القرار المشبوهة” وذلك في إشارة إلى رجال أعمال لم يسمهم. وترفض معظم الأحزاب المعارضة حكومة تصريف الأعمال التي عينها بوتفليقة نهاية آزار/ مارس، لأن رئيسها نور الدين بدوي مقرب للغاية من النخبة الحاكمة.
 نعم يرفض بعض المتظاهرين تدخل الجيش في الشؤون المدنية ويريدون الإطاحة بالنخبة الحاكمة التي تضم قدامى المحاربين في حرب الاستقلال عن فرنسا وضباطًا في الجيش وكبار أعضاء الحزب الحاكم ورجال أعمال. وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، تخلى عن بوتفليقة كثير من الحلفاء، ومنهم زعماء في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم والنقابات العمالية. وقاد الاحتجاجات الشبان والمحامون الذين يطالبون بالتخلص من النخبة الحاكمة التي يعتبرها كثيرون منفصلة على المواطنين وتشرف على اقتصاد تعصف به المحسوبية.
 رغم ذلك يبقى أن أحد السيناريوهات المحتملة هو أن ينهي الجيش الاحتجاجات، في حالة خروجها عن السيطرة، ويستولي مباشرة على السلطة، كما حدث في مصر بعد عامين من سقوط مبارك. سيناريو آخر يحاكي ما حدث في مصر بعد مبارك، عندما حشد المرشحون من النظام القديم والإسلاميون أصحاب الحضور القوي، والمعتدلون غالباً، عدداً كبيراً من الناخبين.عندها سيكون من المهم معرفة ما إذا كان المعسكران الرئيسيان قد تعلما من النموذج التونسي وتوصلا إلى اتفاق مع بعضهم البعض، أو أنهما سيتبعان طريق مصر ويستولي الجيش بالقوة على السلطة. لننتظر القادم.. ولا نملك إلا أن نقول.. حفظ الله الجزائر من “عشريات سوداء”. ويبقى أن:
الجزائريون هم فقط من يرسمون مستقبلهم
تعليقات