السياسة الخارجية العراقية بعد عام 2014

Iraqi foreign policy after 2014

مؤلف جماعي شارك فيه مجموعة من الباحثين المميزين‬‎ ضمن مبادرة دعم الشباب الباحثيين لتأليف كتب جماعية برعاية “المركز الديمقراطي العربي” ألمانيا – برلين

نسخة “pdf”-


الطبعة الأولى “2018″ 

مقدمة:
كثيرا ما تضفي الدول اهمية استثنائية لسياستها الخارجية انطلاقا من الادوار  المميزة التي تؤديها في مجال تحقيق اهداف الدولة العامة . فهي القناة المسؤولة عن الاتصال بالبيئة الخارجية اقليميا ودوليا وعلى مستوى الدول او المنظمات او الوحدات الدولية الاخرى اولا.
وهي الاداة المكلفة بتنفيذ ومتابعة مصالح الدولة ثانيا. وهي الجهة المسؤولة اكثر من غيرها عن مكانة وهيبة وسمعة الدولة في العالم والارتقاء بها ثالثا.
ولاداء تلك الادوار فأن السياسة الخارجية يجب ان تتسم بسمات عامة تعكس بالضرورة مقدار نضج ودينامية ومرونة ودقة اهدافها ووسائل تنفيذها .
ومن بين اهم هذه السمات هي:
  • 1 – نسبة القدرة على المزج بين الواقعية كمنهج للعمل وبوصلة لاهداف السياسة الخارجية وبين الطموح والرغبة بتأدية ادوار معينة تبدوا انها تتجاوز قدرات الدولة ولو مؤقتا.
  • 2 – ادراك صناع القرار السياسي الخارجي لطبيعة الاهداف السياسة الخارجية والظروف المحيطة بها وطبيعة توجهات السياسة الخارجية ازاء البيئة الخارجية الواجب اتباعها .
  • 3- التعامل مع الفرص والتحديات بنوع من الدينامية اللازمة لتدنية الكلفة وتعظيم العائد تحت سقف شروط معقولة من الرضا الذي تحدده طبيعة المرحلة التي تحيط بالسياسة الخارجية .
  • 4 – مكانة التخطيط الاستراتيجي في السياسة الخارجية والذي يتعلق بطبيعة الحال بترتيب الحاضر والاستعداد للمستقبل عبر بناء تصورات منطقية محتملة تخدم بالنتيجة اهداف السياسة الخارجية .
وبمقدار تعلق الامر بالسياسة الخارجية العراقية بعد عام 2014 فأن العراق يعد من بين اكثر الدول في منطقة الشرق الاوسط التي تشهد تقلبات وتغيرا في مجال السياسة الخارجية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد عام 2014 وبأشكال وصور متعددة للتغيير والتحول استنادا الى تغيير اولويات واهداف السياسة الخارجية العراقية اعتمادا على شكل النظام السياسي القائم وطبيعة افكاره وتوجهاتها وعقائده السياسية فظلا عن دور تحالفاته الخارجية والداخلية في تحديد نوعية السياسة الخارجية وتوجهاتها , ولا ننسى دور تحول الظروف الدولية المحيطة والسيولة والحراك المستمرين لقدرات الدولة العراقية التي تدفع احيانا صناع القرار الى تغيير سلوكهم السياسي الخارجي عبر تبني سياسة خارجية مختلفة بشكل او باخر عن مرحلة اخرى . وقد بدا هذا واضحا عبر التغير المستمر في سياسة العراق الخارجية في فترة الحكم الملكي ( 1921 – 1958 )التي كانت تتسم بقربها
من السياسة الغربية لاسيما بريطانيا منها , اما بعد عام 1958 ووصول الجهوريين بقيادة عبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف والتحالف المؤقت مع الشيوعيين فقد تغيرت سياسة العراق الخارجية بشكل كبير عبر توجهات جديدة وخطاب سياسي خارجي جديد واهداف خارجية جديدة وهكذا استمر الحال مع بعض التغييرات خلال الفترات اللاحقة من حكم حزب البعث العربي الاشتراكي وصولا الى عام 2003 الذي كان فاتحة لتغيير جذري  في العراق عبر تدخل خارجي ارسى نظاما مختلف بشكل كلي وسياسة خارجية بسمات سايكولوجية وجيوبولتيكية وسسيولوجية مختلفة عن سابقتها بشكل جزئي على الاقل.
ولهذه المرحلة سماتها الخاصة بها احاطت بالسياسة الخارجية وميزتها عن غيرها بالضرورة بات العراق خلالها يواجه نوع من التوتر في علاقاته الخارجية مع دول الجوار وتبادل معهم الميول نحو الشك والاتهام في تحديد مسؤولية وادوار تفجر موجات العنف والارهاب والتوتر السياسي والطائفي والاستقطاب الاقليمي ومسؤولية منح مبررات التدخل الدولي في المنطقة , كما بدا الظعف والارتباك  واضحا في سياسة العراق الخارجية في هذه الفترة لاسباب كثيرة من بينها هشاشة البيئة الداخلية للعراق وانعكاسها سلبا على اداء السياسة الخارجية , فالدول بطبيعة الحال انما تتحرك خارجيا على قدر سلامة جسدها الداخلي .
وبعد اجتياح تنظيم الدولة الاسلامية الارهابي ( داعش) لمساحات ومدن كبيرة في العراق عام 2014 وما تبعه من تغيير سياسي على مستوى رئاسة الوزراء وتغيير في نوعية الادراك السياسي لشبكة الظروف والادوار المستجدة وكيفية ادارة السياسة الاقليمية والدولية ومكانة ودور العراق في كل هذا بدا ان هناك توجه جديد للسياسة الخارجية العراقية تتسم ولوجزئيا بسمات مختلفة عن الفترة التي سبقتها لتبدوا انها نقطة فارقة في السياسة الخارجية العراقية تصلح لتكون نقطة الشروع للبحث والمتابعة بأسلوب اكاديمي لتعقب مدخلات ومخرجات وادوار وتوجهات السياسة الخارجية العراقية بعد 2014 فظلا عن العوامل المؤثرة بالسياسة الخارجية العراقية والفرص المتاحة لها والقيود على حركتها الخارجية وبالنتيجة الخروج برؤية محدثة وموضوعية عن سياسة خارجية لواحد من اهم بلدان الشرق الاوسط واكثرها غموضا في مجال حقيقة سياسته الخارجية وكيفية ادارة هذه السياسة وثوابتها ومتغيراتها الاساسية . وهذا هو هدف الكتاب الاساس. ولعل الاشكالية المركزية التي يتوجب ان يجيب عنها الكتاب هي هل ان هناك ثمة تحول حقيقي في سياسة العراق الخارجية بعد عام 2014 ؟ وماهي اسباب وتداعيات هذا التحول ؟ وماهي الظروف الاساسية المحيطة بهذا التحول والاطراف الفاعلة في التحول على المستوى الداخلي والخارجي
تعليقات