مساحة إعلانية 728×90

الجزائر : مستقبل المخاض الجديد



الجزائر : مستقبل المخاض الجديد
وليد عبد الحي


قد لا يكون مبالغة القول بأن النظام السياسي الجزائري عرف ثلاث مراحل في تطوره “البنيوي”، المرحلة الاولى وتمتد من 1962 (الاستقلال وتسلم جبهة التحرير السلطة) الى بداية المرحلة الثانية في عام 1989( مرحلة التحول نحو التعددية، والتي قادت الى أزمة عميقة بعد ان اكتسحت الجبهة الاسلامية الانتخابات بنسبة عالية ) وصولا الى المرحلة الثالثة الحالية 2019 والتي تتمثل في تنازع بين تراث ثوري عسكريتاري من ناحية ونزوع شعبي نشظى لطيف واسع من التوجهات السياسية المختلفة( 57 حزبا شارك في الانتخابات التشريعية عام 2017 منها 22 حزبا لم يحصل كل منها الا على مقعد او مقعدين) من ناحية ثانية ، وهو ما يعني ان المرحلة الاولى امتدت 27 سنة ، والمرحلة الثانية 30 سنة، أي ان معدل التحول في المراحل الثلاث هو 28-29 سنة.
ما سبق يشير الى أن الجزائر على أبواب مرحلة تحول أبرز ما فيها هو :
1- نهاية عهد عبد العزيز بوتفليقة
2- تنامي التآكل في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم منذ 57 سنة
3- عدم القدرة على تغييب التيار الاسلامي رغم المتاهة والتفتت الذي يعيشه هذا التيار
4- مكانة دولية واقليمية اقل وجاهة من فترات سابقة
5- احتقانات في المؤشرات الداخلية تتمثل في المظاهر التالية(بيانات 2018)) وقد سبق لي ان اشرت لهذه المظاهر في مقال سابق):
أ‌- مؤشر الديمقراطية:ترتيب الجزائر هو 126 بين 167 دولة، وحصيلتها هي 3.5 من عشرة نقاط وتقع ضمن الدول السلطوية.

ب‌- مؤشر الفساد:تحتل الجزائر المرتبة 105 من بين 180 دولة وبمعدل نزاهة هو 35 من مائة.
ت‌- مؤشر الاستقرار السياسي: تحتل المرتبة 104 في معدل الاستقرار الحكومي بين 178 دولة وبمعدل 63.16 من مائة ( وتشمل المؤشرات الفرعية لهذا المقياس 12 مؤشرا هي تدخل الاجهزة الامنية، حراك النخب الفئوية،تظلمات الفئات الاجتماعية، التراجع الاقتصادي، عدم التساوي في توزيع الثروة بين الاقاليم الجغرافية
للدولة، مراعاة حقوق الانسان وهجرة الادمغة، مدى شرعية السلطة، مستوى الخدمات العامة، مدى العدالة في تطبيق القانون، الضغوط السكانية، الهجرات الاجنبية نحو الدولة والضغط السكاني، حجم التدخل الخارجي في سلوك الدولة.
ث‌- مؤشر العسكرة (militarization ) ونفقات التسلح : تحتل الجزائر في مستوى العسكرة (وهو معدل الانفاق العسكري قياسا لاجمالي الناتج المحلي وعدد الجيش قياسا لعدد السكان ومقارنة النفقات الصحية بالنفقات العسكرية) المرتبة 14 في العالم بمعدل 74.3 من مائة، وفي الانفاق العسكري قياسا لمعدل الناتج المحلي تحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالميا بمعدل 5.7، وهو ما يشكل 16.1% من اجمالي نفقات الحكومة مما يضعها في المرتبة الثامنة عالميا في نسبة الانفاق العسكري من كافة نفقات الحكومة الاخرى(الصحة والتعليم والبنية التحتية …الخ).
ج‌- في مؤشر مستوى التعليم تحتل الجزائر المرتبة 102 بين 149 دولة( ويتم قياسه من خلال نوعية التعليم، القدرة على الالتحاق المدرسي، وحجم راس المال البشري.
لعل دلالات المؤشرات السابقة تنطوي على احتقانات تفرض عددا من السيناريوهات التي تتحدد مساراتها وتداعياتها بناء على الاجابة على التساؤلات التالية:
1- ماذا لو فاز في سباق الرئاسة القادم رجل ” لا ترضى” عنه المؤسسة العسكرية او المؤسسات الخشنة للدولة، سواء اكان هذا الرئيس اسلاميا او ليبراليا او اشتراكيا تقليديا؟ فهل سنعود لمشهد حقبة التسعينات؟
2- ما هو موقف التيارات الجهوية( مثل حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية او جبهة القوى الاشتراكية أو غيرها..؟ من تحقيق تيارات لا ترضى عتها نتائج كبيرة؟
3- ما مدى التناغم داخل المؤسسات الخشنة (الجيش والامن والمخابرات) تجاه التطورات السياسية القادمة لا سيما ان هذه المؤسسات الخشنة عرفت هي الاخرى تحولات عميقة في الخمس سنوات الماضية حيث تم غياب او تغييب عددا من نخب مراكز الثقل فيها واحلال مراكز جديدة لها فعلها ولكنها اقل ظهورا اعلاميا من النمط القيادي السابق ومستفيدة من حالة الرئيس الحالي؟
4- ما مدى تاثير البيئة الاقليمية على الوضع الداخلي ( مثل احتمال تسعير موضوع الصحراء الغربية لامتصاص الازمة الداخلية ، احتمال تنامي الاختراق الحدودي من الجهات الليبية او المالية بخاصة مع اشتداد نشاط الجماعات المسلحة حول الجزائر)
5- ما مدى انعكاس التنافس الأمريكي الفرنسي في اجتذاب تيارات او شخصيات للسلطة لاسيما ان الجناح الامريكي يبدو اسرع استجابة وأوثق صلة بمركزه الدولي؟
6- ما دلالات احتلال الجزائر لمكانة عالمية متقدمة في نسبة الانفاق العسكري الى اجمالي الناتج المحلي او في مؤشر العسكرة الذي اشرت له ؟
7- ما معنى أن الجزائر تحتل مرتبة متقدمة في الدراسات الاسرائيلية (في الجامعات ومراكز الابحاث) خلال الفترة من 2010 الى الآن؟
كل هذه الاسئلة تجعل الانتقال السياسي السلس ليس مستحيلا لكنه صعب للغاية، واعلان المؤسسة العسكرية –تلميحا حينا وتصريحا حينا آخر – عن اصطفافها الى جانب الشعب يخفي احد احتمالين : إما انتهاج ” دبلوماسية الإسفنجة ” لامتصاص التوتر العالي في الشارع الى حين ترتيب الأمور داخل المؤسسة العسكرية، او تعبير عن تحولات عميقة داخل المؤسسة الخشنة، وقد تتداعى الامور ليفجرها حادث طائش هنا او هناك لنصل الى حد العودة للمازق والاحكام العرفية او الانقلاب العسكري او الانشقاقات، لكن ضغط الشارع من ناحية وتآكل المكانة السياسية لجبهة التحرير قد يدفع الجيش نحو موقف محايد تاركا الامور تاخذ مجراها ومكتفيا بدور المراقب المحايد لمنع خروج العملية السياسية عن مسارها الطبيعي، وهو ما ينقذ البلاد من المآزق، وعليه فإن مصير الجزائر في المرحلة القادمة هو بيد ” المؤسسات الخشنة” بنسبة عالية جدا…فهل ستؤدي هذه المؤسسة دورها المحايد ؟ هنا تظهر الصعوبة…ربما.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->