الانتقال الحذر .. تطورات المشهد السياسي الجزائري



محمود جمال عبد العال
شهدت الأوضاع السياسية تطورًا حذرًا خلال الأسبوع الخامس من الاحتجاجات، ومثل موقف الفريق "قايد صالح" أبرز هذه التغيرات، إضافة إلى حالة التفسخ التي يمر بها الائتلاف الحاكم بعد موجة الانشقاقات التي ضربت هياكله العليا. ويُبرز تطور الأحداث السياسية التي تمر بها الجزائر إدراك المجتمع الجزائري بكافة فاعليه ونخبته لضرورة ضمان تحقيق انتقال سلس تجنبًا للدخول في دائرة العنف التي سبق وغرقت فيها الجزائر فيما يُعرف بالعشرية السوداء التي عانى خلالها الجزائريون من الاقتتال الأهلي الذي استمر حتى بدء مرحلة الوئام والسلم الأهلي التي أطلقها "بوتفليقة" نفسه في عام 1999. وسنعمل فيما يلي على رصد تطورات المشهد السياسي الجزائري، وتحليل مواقف فاعليه السياسيين سواءً على مستوى المؤسسات السياسية، أو المشاركين في الحِراك، أو أحزاب المعارضة، أو حتى الموالاة.
تصدع الائتلاف الحكومي
               شهد الائتلاف الحكومي الداعم الرئيس لنظام "بوتفليقة" تصدعًا كبيرًا، وهو ما يمثل انهيارًا لجبهة دعم بوتفليقة. وفي هذا السياق، أعلنا حزبي جبهة التحرير، والتجمع الوطني تخليهما عن الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة". وقد تبرأ حزب جبهة التحرير على لسان "معاذ بو شارب" الأمين العام من ترشيح "بوتفليقة"، واتهم "بوشارب" حزب التجمع الوطني بزعامة رئيس الحكومة السابق "أحمد أويحيى" أمين عام حزب التجمع الوطني بالمقامرة بمصير البلاد عندما قرر الأخير الدفع بترشيح الرئيس "بوتفليقة" للعُهدة الخامسة رغم مرضه.  آلت له أحوال البلاد(1).
من جانبٍ آخر، أعلن "بوشارب"، باعتباره رئيس البرلمان والمنسق العام لحزب "جبهة التحرير الوطني"، تخليه عن الرئيس "بوتفليقة". ودعا "بوشارب" إلى دعم الحراك الشعبي، واعتبر  أن دفع حزب التجمع الوطني بترشيح بوتفليقة كان بمثابة فقدًا للبصيرة ومغامرة غير محسوبة بمستقبل البلاد. وأقرَّ "صديق شهاب" الرجل الثاني في حزب جبهة التحرير بسلطة شقيق "بوتفليقة" في إدارة المشهد السياسي طوال الفترة الماضية؛ حيث قال: "هناك قوى غير دستورية سيرت الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وهناك قوى تزعجها الأحزاب، وهي قوى غير مهيكلة يمكننا تسميتها غير دستورية وغير منظمة"(2). وقد بات الرئيس "بوتفليقة" ودائرته الصغيرة في ورطة كبيرة بعد أن هيمنت موجة الانشقاقات على الائتلاف الحكومي الذي يدعمه في هندسة المرحلة الانتقالية لمستقبل الجزائر.
واقع سياسي جديد، وتمدد حالة الحراك
اتسعت دائرة المشاركين في الحراك الشعبي ضد استمرار "بوتفليقة" على رأس المرحلة الانتقالية التي دعا لها في خطابه الأخير. وبعد شهرٍ فقط من الاحتجاج، نجح الحراك وأطرافه في استعادة السيطرة على الشارع فضلًا عن تمكن فئات جديدة من الانضمام للحراك مثل القطاعات العمالية ومؤسسات وأجهزة الدولة كالقوات المسلحة التي أعلنت على لسان قائدها الفريق "قايد صالح" دعمها للاحتجاجات، ومطالبتها بتطبيق المادة (102) من الدستور. وتبنت قوى المعارضة في الجزائر مبادرة للبدء في مرحلة انتقالية جديدة لا تتعدى 6 أشهر، يتم خلالها نقل صلاحيات الرئيس إلى هيئة رئاسية جديدة. ومن المفترض (وفقًا لهذه المبادرة) أن تتولى هذه الهيئة صلاحيات رئيس الجمهورية، وتقوم بتعيين حكومة
كفاءات وطنية، والإشراف على تنظيم انتخابات حرة وشفافة دون أن يكون لهم حق المشاركة فيها.
ورغم أن مبادرة المعارضة تتمسك بالنص الدستوري في ضرورة انتظار انتهاء الولاية الرابعة للرئيس "بوتفليقة" في 27 أبريل/نيسان 2019 إلا أنها أغفلت نص المادة (102) التي تنظم عملية إدارة المرحلة الانتقالية دستوريًا، ولجأت للحلول الثورية كتشكيل لجنة رئاسية رغم أن الدستور يقر بضرورة نقل صلاحيات الرئيس إلى رئيس مجلس الأمة بعد انعقاد المجلس الدستوري وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية(3). وتتمثل خيارات المعارضة في إنشاء الهيئة الرئاسية في شخصيتي الرئيس الجزائري السابق "ليامين زروال"، ورئيس حكومة الاصلاحات في تسعينيات القرن الماضي "مولود حمروش". وتعتبر المعارضة أن شخصية "زروال" مناسبة لتمثيل الفترة الراهنة خاصة أن ترشيحه لقيادة المرحلة الانتقالية كشخصية سياسية وعسكرية سيمثل انتقالًا سلسًا للسلطة. وشغل "زروال" منصب وزير الدفاع قبل توليه رئاسة الجزائر عام 1994.
تراجع محموم: الإسلاميون، وحركة الاحتجاج
يحاول الإسلاميون تفادي تصدر الحراك السياسي الحالي، وذلك تفاديًا لتجربتهم السابقة في الثمانينيات. ويؤكد ذلك موقف حركة مجتمع السلم (حمس) التي فضلت مسايرة الاحتجاج والمشاركة فيه دون تزعمه، وذلك تخوفًا من بروز حالة من الاستقطاب السياسي والأيديولوجي التي قد توأد زخم الحراك في مهده. وقد لاحظ المحللون عدم بروز أي لافتات أو مطالب خاصة بالتيار الإسلامي خلال المظاهرات المستمرة منذ أكثر من شهر. واكتفت الأحزاب الإسلامية في هذه المظاهرات برفع شعارات عامة متوافق عليها بين المحتجين مثل رحيل نظام بوتفليقة، ومكافحة الفساد.
وأبرزت التيارات الإسلامية نفسها كطرفٍ مشارك وداعم للاحتجاج وليس قائدًا أو متزعمًا له، وهو ما بدا في ترددهم من المشاركة في الاحتجاج؛ إذ دعت منذ بداية الاحتجاجات إلى تمديد العُهدة الرابعة وتأجيل رئاسيات 2019 ثم اعترضت عليه في وقتٍ لاحق، وهو ما يفتح باب التساؤلات عن طموح الحركة لاستغلال الحراك الجماهيري لتحقيق مكاسب سياسية في مراحل متقدمة من الحراك(4). وعارضت حركة مجتمع السلم (حمس) في بيانٍ لها ما ذهبت إليه المعارضة التقدمية من تشكيل هيئة رئاسية، ودعت إلى اختيار شخصية متوافق عليها من قلب الحراك السياسي لإدارة ما أسمته مرحلة انتقالية قصيرة. واعتبرت "حمس" أن تشكيل هيئة رئاسية يُمكن أن يُمثل مدخلًا للصراع وعدم الشفافية. ودعت الحركة إلى منح صلاحيات تنفيذية وتشريعية للشخصية التي سيتم التوافق عليها.
حسمًا للأزمة، أم مساهمة في الحل؟
                لم يكن موقف رئيس الأركان الجزائري "قايد صالح" من الحراك الشعبي غريبًا، ولكن مثَّلت دعوته صراحة لعزل الرئيس "بوتفليقة" وفق المادة (102) من الدستور مفاجئة للمعارضة السياسية في الجزائر. ويعتبر المحللون أن موقف "قايد صالح" من الحراك أفسح المجال لتصدع الائتلاف الحكومي وبروز موجة كبيرة من الاستقالات والانشقاقات فضلًا عن أنه بمثابة طي للمبادرات التي أعلنت عنها الحكومة في السابق لاحتواء تداعيات الحراك الشعبي الذي انطلق منذ أكثر من شهر. واستخدم "صالح" لغة الحسم في تعامله مع أزمة البلاد السياسية معتبرًا أنه من الواجب الإسراع في حلها تجنبًا لأي تطور قد يؤثر على منجزات الشعب الجزائري خلال الأعوام الماضية.
وتختلف دعوة "صالح" عن مبادرات المعارضة في تمسك "صالح" بالحل وفقًا للنص الدستوري الذي يوجب تولي رئيس مجلس الأمة وإجراء الانتخابات الرئاسية الجديدة في مدة لا تتجاوز 90 يومًا من تولي رئيس مجلس الامة الرئاسة مؤقتًا بعد إعلان المجلس الدستوري والبرلمان بغرفتيه خلو منصب رئيس الجمهورية. وحاول "صالح" في خطابه كسب ود المشاركين في الاحتجاج عندما أثنى على حضارية المشهد الاحتجاجي في حماية الممتلكات العامة والخاصة، وعدم السماح بالتخريب.
وتباينت أراء المعارضة من دعوة صالح لتطبيق المادة (102) من الدستور؛ إذ طرحت المعارضة اشتراطات جديدة تسبق تطبيق المادة (102). وتتعلق هذه الاشتراطات بالتوافق على حكومة تعبر عن الحراك، وتأسيس لجنة وطنية مستقلة لتنظيم الانتخابات، وتعديل قوانين الانتخاب، وإصدار مراسيم عاجلة لتحرير العمل السياسي وضمان استقلال القضاء. وعلى عكس ذلك، أعلنت جبهة المستقبل المنشقة عن حزب جبهة التحرير توافقها الكامل مع ما طرحة "صالح"، واعتبرته مدخلًا لحل الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد وفق مقررات النصوص الدستورية. وذهب حزب جبهة التحرير على لسان متحدثه الرسمي "حسين خلدون" إلى ذلك؛ حيث اعتبر "خلدون" أن تطبيق المادة (102) سيضمن استمرار البلاد في المسارات الدستورية والقانونية.
واعتبرت حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والجبهة الاشتراكية أن تدخل قائد الجيش في الشأن السياسي يُمثل تجاوزًا لسلطاته وصلاحياته القانونية. ورأى رئيس الحكومة الأسبق "علي بن فليس" الذي يتزعم حزب طلائع الحريات أن تطبيق المادة (102) لن يكفل حل الأزمة خاصة في ظل عدم الاتفاق على حكومة وطنية، أو تشكيل لجنة وطنية لإدارة الانتخابات. من جانبه، رفض "قايد صالح" في خطابٍ له الانتقادات التي تعرض لها معتبرًا أن الوضع الإقليمي والدولي المحيط بالجزائر يُلزم الجيش بالتدخل وفقًا للدستور لحل الأزمة السياسية المستعصية.
ختامًا؛ رغم حالة عدم الحسم في المشهد السياسي الجزائري بعد أكثر من شهر من بدء الاحتجاجات إلا أن الحراك نجح في قطع الطريق على "بوتفليقة"، والدائرة المحيطة به خاصة بعد حالة الانشقاقات التي ضربت الائتلاف الحاكم، وتخلي المؤسسة العسكرية، ومجموعة كبيرة من رجال الأعمال عنه. 
تعليقات