مساحة إعلانية 728×90

الحراك في الجزائر بين السيطرة الأمنية وغياب الرؤية الاستراتيجية

www.elsiyasa-online.com
الحراك في الجزائر بين السيطرة الأمنية وغياب الرؤية الاستراتيجية
 سليم جداي

_ان ما تمر به الجزائر من انسداد تام في الرؤية السياسية والاستراتيجية للنهوض بالبلاد إلى عالم الحرية السياسية  والنهوض الاقتصادي والمجتمعي ، دليل واضح على الفهم خاطئ لمجريات الأمور ومحاور التغيير  والاصلاح السياسي في الجزائر.
-أن أي تغيير في دول العالم الثالث يكون تحت سيرورة وسيطرة امنية، بحجة الامن والسلم، وذريعة الاستقرار والرفاه الدائم.
ان التوجهات السياسية السائدة الان في الجزائر هي توجهات خاضعة للمقاربات الصلبة والتي لا تنتج الا مؤسسات بنفس نهجها وتوجهاتها، فالعامل الأمني في الجزائر متداخل بدرجة كبيرة في المحيط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وغياب الرؤى الاستراتيجية هو خير دليل على ضعف الإرادة السياسية في الجزائر. 
-إن ما تصبوا إليه بعض الجهات والنخب في الجزائر من توجهات نحو مرحلة انتقالية، انتقائية، انتقامية ، وما يليها من بوادر غير دستورية، هو ما جعل من تعزيز السيطرة الامنية على الساحة السياسية في الجزائر،وبوادر المؤسسات الصلبة موجودة وبقوة، خوفا من تأزيم الوضع، او الذهاب الى انسداد نهائي او مبرمج او تدريجي .
-إن ما يحتاجه الحراك بصفة خاصة والساحة السياسية بصفة عامة في الجزائر هو رؤية استراتيجية بشتى أبعادها الداخلية والخارجية  للذهاب بالبلاد الي شاطئ الامن والامان. دون الذهاب إلى نعرات التخوين والفوضى التي لا تخدم الحراك ولا الجزائر، فالسيادة الجزائرية هي المنبع الأول والمورد الأساسي من أجل بناء دولة مؤسسات قوامها القانون والعدل والشفافية هدفها الرفاه المجتمعي والأمن القومي والتشبع والرفاه الاقتصادي.
إن ما تحتاجه الساحة السياسية اليوم في الجزائر، هو النظرة الشاملة والواسعة البعد والواقعية والجدية والبنائة التي تكون محيطة بكل العوائق السياسة عندنا،فالعوائق كثيرة ومتنوعة مما جعل من القبضة الامنية واسعة وشاملة في الجزائر.
العوائق السياسية( الداخلية)  :
-غياب النخب والشخصيات البارزة على الساحة السياسية الجزائرية.
-ضعف المبادرات البناءة والموضوعية والاقتراحات التوافقية .
-ضعف المجتمع المدني وحلقات السياسة فيه.
-عدم مراعاة للأحداث السابقة التي مرت بها الجزائر،(عامل التاريخ).
-انعدام الثقة بين الشعب وصناع القرار من حيث المبدأ والهدف.
-ضعف الهيكلة الحزبية في الجزائر. 
-عدم الانسجام في المطالب والأهداف.،اي اختلاط الغاية بالوسيلة.
-الدخول في دوامة التخوين والعمالة والتكهنات السلبية في الوسط السياسي الجزائري.
-الاعتماد على تمييع وتوسيع دائرة الأزمة ، دون الحيلولة الي احتوائها،والنظر في مجرياتها ومخرجاتها.



-عدم محورة  الحوار بدعوى إفراز نظام جديد، والحيلولة دون ذلك.
-الفراغ السياسي واللوجستي بين النخب وصناع القرار في الجزائر.
-الحكم المسبق لمجريات الانتخابات وعدم الثقة المتبادلة بين السلطة والشعب.
العوائق المجتمعية(الداخلية) :
-عدم مراعاة مصلحة الوطن والسيادة والهيبة التي تتميز بها الجزائر.
-عدم التفريق بين الحقوق والواجبات تجاه الوطن والدولة والشعب.
-الغياب الواسع للبناء المجتمعي المتماسك في الوسط الجزائري.
-مراعاة المصلحة الشخصية على المصلحة العامة وتوطيد مبدأ عدم القبول بأي حل.
- محاولة الدخول في مأزق امني مجتمعي معضلاته هي تناقض الأفكار والتوجهات.
-مراعاة العواطف و النرجسيات في حل الأزمة  في الوسط الجزائري، مع غياب عامل العقل والموضوعية.
-التعجيل في المطالبة  بتحقيق المطالب، واللعب على أوتار الوقت.
-تقزيم المطالب المحققة لحد الآن.
_العوائق الإقليمية والدولية (الخارجية)  :
ان للفواعل والقوي الخارجية دور هام وكبير ومحوري في إدارة الأزمات والصراعات الداخلية، في كل الدول وخاصة دول العالم الثالث، فهناك كتاب ل "ديفيد بوسكو"  بعنوان "خمسة يحكمون الجميع"  يشرح فيه ما يجري داخل بيت المجلس من استراتيجيات وحوافز من طرف هذه الفواعل الخارجية والتي يتجاهلها معظم الشخصيات والمثقفين  المتشبعين بالثقافة السياسية والمشجعين للمراحل الانتقالية حيث، تصبح الدولة عبارة عن نفق مظلم، يستطيع هؤلاء الاعضاء الدائمون، وهم من يديرون مجلس الأمن الدولي ومنهم فرنسا، وروسيا، وأمريكا، والصين وبريطانيا، في اعادة هدم وتأجيج  الوضع بحكم الامن، ونشر الديمقراطية، في الدول المتأزمة الاوضاع، وفاقدة الدستور والمؤسسات ،  فقد ساهم هذا المجلس عبر تأسيسه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، في النجاح في إدارة أزمات لبعض الدول وفشل في إدارة البعض الآخر، ويقول صاحب الكتاب "ديفيد بوسكو" أن هؤلاء الخمسة هم من يحكمون المجلس من الداخل، ويقدم بوسكو صورة كاشفة لأهم هيئة دبلوماسية في العالم، ويشير إلى أنه عندما يتوحد اعضائها الدائمون فانهم يستطيعون شن الحروب وفرض الحصار الاقتصادي، واعادة ترسيم الحدود والإطاحة بالحكومات، وفرض العقوبات.
ومنه يتجلى لنا أن الجزائر ليست بمنأى  عن هذه القوي، وخاصة في تواجد فرنسا ضمن القوي والفواعل الخمسة، فرنسا هي العدو التاريخي والمستقبلي للجزائر،فيجب علينا التحلي بالحيطة والحذر، فإذا كانت فرنسا تشجع المراحل الانتقالية، يعني ذلك أن هناك طبخة تطبخ للجزائر في الخفاء، فليس كل شئ معلن.
فالجزائر بحكم الموقع الجيواستراتيجي الهام ستكون عرضة لهذه الفواعل،
إذن السيطرة الأمنية
 في الداخل والخارج هي من مخرجات السياسة الدولية الحالية  والموجودة الآن ضمن نسق المجتمع الدولي، وتفاعلات النظام السياسي، والرؤية الاستراتيجية واجبة الان من اجل  تخفيف من حدة الأزمة والخروج بالجزائر إلى بر الأمان.
ان اهمال دور الفواعل الخارجية بما فيها فرنسا، في الأزمة  الحالية في الجزائر هو من بين الثغرات الواجب معاينة أخطارها،ومتابعة توتواتراتها، فالذهاب إلى انتخابات يسبقها نقاشات وحوارات هي من بين انجع الاستراتيجيات الرادعة  لفرنسا ، والبوادر الحميدة، للأزمة التي تمر بها الجزائر في الداخل والخارج ،فالشعب الذي خرج من اجل اجهاض وإتلاف نظام فاشل، يستطيع إيجاد شخصية توافقية من أجل الذهاب به إلى عرس ديمقراطي، فالانتخابات هي السد المنيع، لمستنقع الخرافة الداخلية ،  وغطرسة الفواعل الخارجية ، فالشعب الذي يريد الديمقراطية هو الشعب الذي يحتكم إلى الصندوق.،
فالصندوق هو الفاصل والفيصل في المرحلة الراهنة، كما لا نخفي أن التحول الديمقراطي لا يحده زمن، بقدر ما تحده الشفافية وتناسق الأفكار والفصل بين السلطات واستقلالية المؤسسات ، والتحول التدريجي والهرمي ليس التحول التراكمي والهراركي، الذي لا يخدم الشعب والسيادة ولا الأجيال القادمة، فالروية الاستراتيجية الآن بالنسبة للأزمة في الجزائر هي الذهاب الى انتخابات تكون فيها كلمة الشعب هي المفصل والحل والهدف الأسمى منها هو أخذ الجزائر والخروج بها من منعرج الاستبداد والتعيين، إلى الطريق المعبد وهو الصندوق.
اما الشق الثاني من الاستراتيجية وهو الاعتماد على الدستور في كل توجهاتنا، حتى نستطيع اغلاق الابواب امام كل الفواعل الخارجية وأولها فرنسا، ان الدستور بهشاشته وضعفه خير للشعب الجزائري في الفترة الحالية من دستور مفروض بطرق ملتوية سواء مباشرة، أو غير مباشر،أو تدخل خارجي، فالدستور رغم هشاشته إلا أنه هو الحامي الوحيد لمؤسسات الدولة في المرحلة الحالية، فالجزائر في غنى عن فرض العقوبات عليها في المرحلة الراهنة، كما ان زوال مؤسسات الدولة هو بالضرورة زوال الدولة. فالشعب الجزائري خرج لبناء الدولة وليس لهدمها.
أما الشق الثالث من الاستراتيجية فهو الذهاب الي حوار بناء قوامه الشفافية، ومخرجاته مصلحة الجزائر بالدرجة الأولى،وتحييد المصالح الشخصية وتحكيم العقل، وبعد القراءة والنظر، فالحوار اساس وبداية كل بناء، ان الانتخابات التي يسبقها حوار، ونقاش، وتبادل الحلول، هي انتخابات مقبولة، من حيث المبدأ .
كما لا نخفي عامل الثقة الذي وجب ان يكون حاضرا بين أطراف الحوار والنقاش، والحوار الذي لا يبني على الثقة، فهو حوار عقيم.
إن الحوار الذي يعتمد على النقد البناء ، وتبادل الآراء، وتبادل الاقتراحات، و الموضوعية، والجدية  والواقعية، هو حوار ستكون مخرجاته إيجابية على الشعب والدولة.
إن الديمقراطية بكل مفاهيمها وتعاريفها وضخامة محاورها إلا أنها تفتقد لعنصر الاجماع، ان الاجماع في الديمقراطية لا يعني الشفافية بقدر ما يعني مشاركة الأغلبية  رضاها ، لذي فالتناقضات والاختلافات هي الوجه الجدي والنسق المتكامل للديمقراطية النيابية بشقها العصري والمتين.
 كذلك إن الحل المتماسك والاستراتيجي والقانوني المدستر، والمنهج السليم والصحيح، يكون دائما بطئ الحركة قليل المخرجات والديناميكيات ، لكن عوائده تكون ايجابية علي الدولة والشعب والسياسة ،كذلك أن الاستراتيجية المدروسة على نهج سليم ومرن، وذات أبعاد وقواعد  صحيحة متناسقة ودعائم مقننة وركائز وطيدة  وبدائل تكتيكية ستكون هي الواقية للنسق السياسي  في الجزائر وذات ابعاد ايجابية علي الشعب . 
إن الرؤية الاستراتيجية الملموسة تحتاج إلى قنوات اتصال مفتوحة وغير قابلة للتشويش، حتى تكون مخرجاتها سليمة الممارسة، مقبولة الرؤى، فالوصوليون كثر وميكانزماتهم متنوعة وتوجهاتهم متداخلة وغير واضحة المعالم، مخفية الأهداف، ورسم الخارطة يكون بالحوار والنقاش وتقريب وجهات النظر أما الهدف فهو الذهاب إلى الصندوق وفق الحل الشرعي والدستوري،وأما تراكمية الافكار الهشة واستراتيجية ركوب الموجة، والرديف المجاني فهي لا تخدم الشعب والسياسة ولا سيادة الجزائر،فهي توضح معالم الشعبوية واستنهاض العواطف وفقط.
ان استراتيجية ركوب الموجة والتي تسعملها بعض الجهات التابعة لعملائها في الخارج ماهي الا تمويه، تعتيم لصورة الحراك في الجزائر، والهدف من ذلك كله هو الخروج على المبدأ القانوني والشرعية الدستورية، إلى غابة القوي الخارجية وفرض وإعادة تشكيل التبعية والهيمنة الفرنسية من جديد،وبطرق ملتوية لا نستطيع رؤيتها الا بعد عقد اخر من الزمن، فالغاية واضحة والوسيلة مغيبة، لذي فالمقاربة الدستورية هي الحل الوحيد والانجع من أجل الخروج من التبعية السياسية، والانفتاح على عالم الاصلاح السياسي الصحيح، بالطريقة السلسة والسليمة.
-ان المتتبع  والمتمعن لحيثيات الأزمة وبوادرها  في الجزائر، يلاحظ ان شتي النخب والشخصيات بما فيها الأحزاب  قد سلطت كل تطلعاتها وتكهناتها علي  الشق والنسق الداخلي للأزمة، وتناست العامل الخارجي وهو الأهم ، والمؤثر الحقيقي في مجريات الأمور ،او ان  هذه النخب تتحاشي الكلام حول الدور والعامل الخارجي في ادارة والتأثير علي الازمة في الجزائر، لانه لا يخدم توجهاتها وافكارها، فالجزائر ليست بمعزل عن الدول الاخرى  والفواعل الخارجية، او انها ضمن استراتيجية الانغلاق والانعزال التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية سابقا، مما مكنها من الانفتاح علي العالمية، فالاساليب والطرق تغيرة، فالعالم اليوم عبارة عن قرية صغيرة جراء عامل العولمة، والاعتماد المتبادل والتجارة الحرة، فالجزائر عبارة عن مؤثر يؤثر ويتأثر سواء علي الساحة الداخلية او الخارجية. فالروئية  الاستراتيجية تستوجب الإحاطة بكل العوامل المؤثرة في الأزمة داخل الجزائر و خارجها.


ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->