أمريكا تُدمر نفسها من الداخل

www.elsiyasa-online.com
أمريكا تُدمر نفسها من الداخل

عادل رفيق

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في 11 يونيو 2019 مقالاً كتبه فريد زكريا، بعنوان “التدمير الذاتي للقوة الأمريكية”، تناول تراجع النفوذ الأمريكي في العالم والعوامل الداخلية التي ساهمت في هذا “التدمير” لقوتها، والذي جاء فيه:

واشنطن أهدرت لحظة أحادية القطب

في وقت ما خلال العامين الأخيرين، انتهت الهيمنة الأمريكية. حيث استمر عصر الهيمنة الأمريكية فترة قصيرة ومثيرة، حوالي ثلاثة عقود تميزت بلحظتين، كل منهما كان نوعاً من الانهيار. لقد وُلدت هذه الهيمنة وقت انهيار حائط برلين في عام 1989. ثم كانت النهاية، أو بداية النهاية، في الحقيقة، أثناء انهيار آخر، وهو انهيار العراق عام 2003، واستمر الانهيار البطيء (للهيمنة الأمريكية) منذ ذلك الحين. ولكن هل كان زوال الوضع الاستثنائي للولايات المتحدة نتيجة لأسباب خارجية، أم قامت واشنطن بتسريع زوالها من خلال العادات السيئة والسلوك السيء الذي انتهجته؟ هذا هو السؤال الذي سوف يناقشه المؤرخون لسنوات قادمة. لكن في هذه المرحلة، لدينا وقت ورؤية يكفيان لتقديم بعض الملاحظات الأولية في هذه المسألة.
وكما هو الحال في معظم حالات الوفاة، فقد ساهمت العديد من العوامل في الوصول لهذا المصير في حالتنا تلك. حيث كانت هناك قوى هيكلية عميقة في النظام الدولي تعمل بلا هوادة ضد أي دولة واحدة يتراكم لديها الكثير من القوة. ومع ذلك، ففي الحالة الأمريكية، يشعر المرء بالحيرة حيال الطريقة التي أساءت بها واشنطن – التي تبوأت مكانة غير مسبوقة – التعامل مع هيمنتها بما في ذلك إساءة استخدام قوتها مما أدى بها في النهاية إلى أن تخسر حلفاءها وأن يتجرأ عليها أعداؤها. والآن، في ظل إدارة دونالد ترامب، يبدو أن الولايات المتحدة فقدت اهتمامها، وفقدت بالفعل إيمانها، بالأفكار والأهداف التي كانت حافزاً لوجودها الدولي على مدى ثلاثة أرباع القرن.



ولادة نجم

لم يكن للهيمنة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة مثيل في العالم منذ الإمبراطورية الرومانية. وقد دأب الكُتاب على تحديد زمن بزوغ  فجر “القرن الأمريكي” بـ عام 1945، وذلك بعد وقت قصير من قيام الناشر هنري لوس بصياغة هذا المصطلح. لكن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت مختلفة تماماً عن حقبة ما بعد عام 1989. وحتى بعد عام 1945، كانت فرنسا والمملكة المتحدة لا تزالان تتمتعان رسمياً بإمبراطوريتين كبيرتين، وبالتالي كان لهما تأثير كبير في مناطق واسعة من العالم. وسرعان ما قدم الاتحاد السوفيتي نفسه كمنافس للقوة العظمى، مزاحماً نفوذ واشنطن في كل ركن من أركان هذا الكوكب. ولا ننسى أن عبارة “العالم الثالث” كانت مشتقة من التقسيم الثلاثي للأرض: العالم الأول، وهو الولايات المتحدة وأوروبا الغربية؛ والعالم الثاني، وهو الدول الشيوعية؛ والعالم الثالث وهو ما دون ذلك في أي مكان في العالم، حيث كانت كل دولة من هذا العالم تختار ما بين نفوذ الولايات المتحدة والنفوذ السوفيتي. وبالنسبة للعديد من سكان العالم، من بولندا إلى الصين، كان القرن (الأمريكي) يبدو بالكاد أنه أمريكي بالفعل.
فقد كان من الصعب في البداية اكتشاف تفوق الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. وكما أشرت في مجلة نيويوركر في عام 2002، فقد فات معظم المشاركين ذلك. ففي عام 1990، قالت رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر بأن العالم كان ينقسم إلى ثلاثة مجالات سياسية، يهيمن عليها الدولار والين الياباني والمارك الألماني. وقد تنبأ كتاب هنري كيسنجر 1994، “الدبلوماسية”، ببزوغ فجر عصر جديد متعدد الأقطاب. وبالتأكيد، فإنه كان هناك في الولايات المتحدة شعور بالتفوق إلى حد ما. وقد تميزت الحملة الرئاسية لعام 1992 بشعور بالضعف والتعب. فقد دأب بول تسونجاس، المرشح الديمقراطي للرئاسة، على القول مراراً وتكراراً: “لقد انتهت الحرب الباردة؛ وفازت اليابان وألمانيا”. وبدأت الدول الآسيوية بالفعل في التحدث عن “قرن المحيط الهادئ”.
وقد كان هناك استثناء واحد لهذا التحليل، وهو مقال يتسم بالتبصر تم نشره في صفحات هذه المجلة للمعلق المحافظ تشارلز كراوثامر: “لحظة الأحادية القطبية“، وذلك في عام 1990. ولكن حتى هذه الرؤية التي يبدو عليها الزهو كانت محدودة في اتساعها، كما كان يوحي بذلك عنوان المقال. واعترف كراوثامر بذلك في عمود نُشر له في صحيفة واشنطن بوست قائلاً: إن “لحظة الأحادية القطبية ستكون قصيرة”، وتنبأ أنه خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، ستسعى ألمانيا واليابان، وهما “القوتان الإقليميتان العظميان الناشئة”، إلى تبني سياسات خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة.
وقد رحب صناع السياسة بتراجع الأحادية القطبية، التي افترضوا أنها وشيكة. ففي عام 1991، عندما بدأت حروب البلقان، أعلن جاك بوس، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، أن “هذه هي ساعة أوروبا”. وأوضح ذلك قائلاً: “إذا كان الأوروبيون يستطيعون حل مشكلة واحدة، فهي مشكلة يوغوسلافيا. إنها دولة أوروبية، ولا يعود الأمر إلى الأميركيين”. لكن اتضح فيما بعد أن الولايات المتحدة هي وحدها التي تملك كلاً من القوة والنفوذ التي تمكنها من التدخل بفعالية ومعالجة الأزمة.
وبالمثل، فمع نهاية التسعينيات، عندما أدت سلسلة من العوامل التي أدت إلى حالة من الذعر الاقتصادي إلى سحب اقتصاديات شرق آسيا إلى شفا انهيار اقتصادي محتوم، كانت الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على تثبيت النظام المالي العالمي. فقد وضعت خطة إنقاذ دولية بقيمة 120 مليار دولار لصالح الدول الأكثر تضرراً، وقامت بحل الأزمة. وحينها وضعت مجلة تايم على غلافها ثلاثة أمريكيين، هم وزير الخزانة روبرت روبن، ورئيس الاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان، ونائب وزير الخزانة لورانس سامرز، تحت عنوان “لجنة إنقاذ العالم”.

بداية النهاية

وتماما كما تصاعدت الهيمنة الأمريكية في أوائل التسعينيات بينما لم يكن يلاحظها أحد، ففي أواخر التسعينيات فعلت القوى التي من شأنها تقويضها نفس الشيئ، حتى عندما كان الناس يتحدثون عن الولايات المتحدة باعتبارها “الأمة التي لا غنى عنها” و “القوة العظمى الوحيدة في العالم”. في البداية، كان هناك صعود الصين. فمن السهل أن نرى الآن وبأثر رجعي أن بكين ستصبح المنافس الجدي الوحيد لواشنطن، لكن ذلك لم يكن واضحاً منذ ربع قرن. وعلى الرغم من أن معدلات النمو في الصين ظلت سريعة منذ الثمانينات، إلا أنها في الحقيقة كانت بداياتها متدنية للغاية. وكانت القليل من الدول فقط هي التي استطاعت مواصلة مثل هذا النمو لأكثر من عقدين. وقد بدا المزج الغريب للرأسمالية واللينينية الذي تبنته الصين هشاً، كما كشفت ذلك انتفاضة ساحة تيانانمن عام 1989.
لكن نهضة الصين استمرت، وأصبحت البلاد القوة العظمى الجديدة في المجموعة، التي جمعت بين القوة والطموح للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة. وبدورها، تحولت روسيا من الضعف والسكون في أوائل التسعينيات إلى قوة انتقامية، تلعب دوراً تخريبياً وتتمتع بقدرة ومكر من أجل الدفاع عن نفسها. ومع وجود لاعبين عالميين رئيسيين خارج النظام الدولي الذي شيدته الولايات المتحدة، دخل العالم مرحلة ما بعد أمريكا. فاليوم، لا تزال الولايات المتحدة أقوى بلد على هذا الكوكب، لكنها متواجدة في عالم من القوى العالمية والإقليمية التي يمكنها – في كثير من الأحيان – أن تضطرها إلى التراجع.
لقد لعبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وصعود الإرهاب الذي تم ربطه بالإسلام دوراً مزدوجاً في تراجع الهيمنة الأمريكية. في البداية، كان من الواضح أن هذه الهجمات قد استنهضت واشنطن وأدت إلى  حشد كل قوتها. ففي عام 2001، اختارت الولايات المتحدة، التي كانت لا تزال تفوق من الناحية الاقتصادية الدول الخمسة التالية لها مجتمعة، أن ترفع من مستوى إنفاقها الدفاعي السنوي بمبلغ – يقارب 50 مليار دولار – كان في الحقيقة أكبر من كامل ميزانية الدفاع السنوية للمملكة المتحدة. وعندما تدخلت واشنطن عسكرياً في أفغانستان، استطاعت الحصول على دعم هائل لهذه الحملة، بما في ذلك من روسيا نفسها. وبعد عامين فقط، وعلى الرغم من العديد من الاعتراضات، استطاعت الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي كبير لغزو العراق. وكانت السنوات الأولى من هذا القرن بمثابة ذروة الهيمنة الأمريكية، حيث حاولت واشنطن إعادة تشكيل دولتين شديدة التباعد – أفغانستان والعراق – تفصلها عن بعضها آلاف الأميال، على الرغم من الإقرار الطوعي من بعض دول العالم لهذا التحرك أو المعارضة الواضحة لذلك من البعض الآخر.
وشكّل العراق على وجه الخصوص نقطة تحول. فقد دخلت الولايات المتحدة في حرب اختارتها بنفسها رغم المخاوف التي أعربت عنها باقي دول العالم. وحاولت واشنطون إقناع الأمم المتحدة بالتصديق على خطتها، وعندما استحال ذلك، استغنت عن المنظمة بالكامل. لقد تجاهلت مبادئ “باول” ـ الفكرة التي أصدرها الجنرال كولن باول أثناء رئاسته لرؤساء الأركان المشتركة خلال حرب الخليج، بأن الحرب كانت تستحق الدخول فيها فقط إذا كانت المصالح الوطنية الحيوية على المحك وإذا تأكد النصر الساحق فيها. وأصرت إدارة بوش على أن التحدي الكبير المتمثل في احتلال العراق يمكن القيام به بعدد صغير من القوات مع بذل جهد متواضع. وقيل إن العراق سيدفع تكلفة ذلك بنفسه. وبمجرد دخولها بغداد، قررت واشنطن تدمير الدولة العراقية، وحل الجيش وتطهير البيروقراطية، التي أنتجت الفوضى وساعدت في تأجيج التمرد. وقد كان من الممكن التغلب على أي من هذه الأخطاء. لكنها تسببت مجتمعة في جعل غزو العراق إخفاقاً ذا كُلفة عالية.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر، اتخذت واشنطن مجموعة من القرارات الكبيرة المتتابعة والتي لا تزال آثارها تطاردها، لكنها كانت قد اتخذت كل هذه القرارات على عجل وتخوف. لقد رأت نفسها في خطر داهم، تحتاج إلى القيام بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها – من غزو العراق إلى إنفاق مبالغ لا حصر لها على الأمن الداخلي إلى ممارسة التعذيب. وشاهد بقية العالم دولة تقابل نوعاً من الإرهاب كان يعاني منه الكثيرون لسنوات، ومع ذلك كانت تدور مثل الأسد الجريح، وتقوم بهدم التحالفات والقواعد الدولية. وفي أول عامين بعد أحداث سبتمبر، غضت إدارة جورج دبليو بوش الطرف عن الاتفاقيات الدولية أكثر من أي إدارة سابقة. (ومما لا شك فيه، تم تجاوز هذا الحد الآن في عهد الرئيس دونالد ترامب). أما السلوك الأمريكي في الخارج أثناء إدارة بوش فقد حطم السلطة المعنوية والسياسية للولايات المتحدة، حيث وجد الحلفاء القدامى مثل كندا وفرنسا أنفسهم على خلاف معها في جوهر الأخلاق وأسلوب سياستها الخارجية.

هدف في مرماه

إذن، ما الذي أدى إلى تآكل الهيمنة الأمريكية ـ صعود منافسين جدد أم توسع أمبراطوري؟ وكما هو الحال في أي ظاهرة تاريخية كبيرة ومعقدة، ربما كان كل ما سبق. كان نهوض الصين أحد تلك التحولات الجذرية في الحياة الدولية التي كانت كفيلة بان تؤدي إلى تآكل قوة أي هيمنة لا منافس لها، بغض النظر عن مدى مهارتها في دبلوماسيتها. لكن عودة روسيا كانت قضية أكثر تعقيداً. فمن السهل أن ننسى ذلك الآن، ولكن في أوائل التسعينيات، كان القادة في موسكو مصممين على تحويل بلادهم إلى ديمقراطية ليبرالية وأمة أوروبية، بل وحليف لبعض الدول الغربية. ساند إدوارد شيفرنادزه، الذي كان وزيراً للخارجية خلال السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفيتي، حرب الولايات المتحدة ضد العراق في الفترة 1990-1991. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان أول وزير خارجية روسي، أندريه كوزيريف، ليبرالياً أكثر تحمساً وأممياً وداعماً قوياً لحقوق الإنسان.
أما عن سؤال: من خسر روسيا؟ فهو موضوع لمقال آخر. لكن تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن واشنطن منحت موسكو بعض المكانة والاحترام – في توسيع مجموعة السبع إلى مجموعة الثماني، على سبيل المثال – إلا أنها في الحقيقة لم تأخذ مخاوف روسيا الأمنية على محمل الجد. فقد قامت بتوسيع الناتو بسرعة وشراسة، وهي عملية ربما كانت ضرورية لدول مثل بولندا، التي كانت تاريخياً غير آمنة ومهددة من روسيا، ولكن الحلف مضى في طريقه لا يلوي على شيئ، غير عابئ بالحساسيات الروسية، حتى امتد ووصل الآن إلى مقدونيا. واليوم، يبدو أن السلوك العدواني للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُساعد في تبرير أي إجراء يتم اتخاذه ضد بلاده، لكن الأمر يستحق أن نسأل، ما هي القوى التي كانت السبب وراء صعود بوتين وسياسته الخارجية في المقام الأول؟ فمما لا شك فيه، أنها كانت في الغالب أسباب داخلية في روسيا، ولكن إلى حد ما كان للإجراءات التي قامت بها الولايات المتحدة أثر – كان على ما يبدو مُضراً – في المساعدة على تأجيج قوى الانتقام ونزعات الثأر في روسيا.
كان أكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة خلال لحظة الأحادية القطبية الخاصة بها، سواء مع روسيا أو بشكل عام، هو مجرد التوقف عن الاهتمام بمجريات الأمور في العالم. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أراد الأمريكيون أن يعودوا إلى قواعدهم، وقد فعلوا ذلك. فخلال فترة الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تهتم بشكل كبير بالأحداث في أمريكا الوسطى وجنوب شرق آسيا ومضيق تايوان وحتى أنجولا وناميبيا. لكنها، مع مجيئ منتصف التسعينيات، فقدت كل الاهتمام بما يجري للعالم حولها. وانخفضت مساحة الأخبار الخارجية التي تبثها شبكة إن بي سي من 1013 دقيقة في عام 1988 إلى 327 دقيقة في عام 1996. (واليوم، تُكرس الشبكات الرئيسية الثلاث مجتمعة نفس القدر من الوقت من الأخبار الخارجية الذي كانت تبثه شبكة واحدة بمفردها في عام 1988.) لم يكن لدى البيت الأبيض والكونغرس أثناء إدارة جورج بوش الأب رغبة في بذل اي جهد طموح لعمل تحول في روسيا، ولا مصلحة في طرح نسخة جديدة من خطة مارشال أو الانخراط بعمق في شأنها. وحتى في خضم الأزمات الاقتصادية الخارجية التي عانت منها إدارة كلينتون، كان على صانعي السياسات في الولايات المتحدة أن يتسارعوا إلى تقديم الأفكار ورسم الخطط، وهم يعلمون أن الكونغرس لن يخصص أي أموال لإنقاذ المكسيك أو تايلاند أو إندونيسيا. لقد قدّموا النصائح، التي كان معظمها يتطلب بذل القليل من العون من واشنطن، لكن موقفهم كان أقرب إلى من يتمني الخير عن بعد، وليس إلى موقف قوة عظمى مهتمة.
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، أرادت الولايات المتحدة تغيير العالم. ففي التسعينيات، كان ذلك يبدو ممكناً أكثر من أي وقت مضى. وكانت الدول في جميع أنحاء البسيطة تتجه نحو الطريقة الأمريكية. ويبدو أن حرب الخليج كانت تمثل علامة فارقة جديدة للنظام العالمي، على الرغم من أنها كنت محدودة في نطاقها، حيث جاءت من أجل دعم مبدأ أقرته القوى الكبرى وشرعه القانون الدولي. لكن وسط كل هذه التطورات الإيجابية، فقدت الولايات المتحدة الاهتمام. واستمر صناع السياسات في الولايات المتحدة في التسعينيات في السعي نحو تغيير العالم، ولكن مع بذل أثمان بخسة. لم يكن لديهم رأس المال السياسي أو الموارد اللازمة التي تمكنهم من القيام بهذا الجهد. وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت نصيحة واشنطن للدول الأجنبية دائماً هي: علاج الصدمات الاقتصادية والديمقراطية الفورية. وأي شيء كان يبدو أبطأ مما تطلبه أو أكثر تعقيداً – بمعنى: أي شيء لا يشبه الطريقة التي قام بها الغرب نفسه بتحرير اقتصاده ودمقرطة سياساته – كان غير مقبول. وقبل الحادي عشر من سبتمبر، أثناء مواجهة التحديات، كان التكتيك الأمريكي يتمثل في الغالب في الهجوم عن بعد، ومن هنا جاء أسلوب فرض العقوبات الاقتصادية وشن الغارات الجوية الدقيقة. كلا الأسلوبين، كما كتب العالم السياسي إليوت كوهين عن القوة الجوية، كان يشبه إلى حد ما ’ مواعدة الفتيات في العصر الحديث‘: من حيث “تحقيق الإرضاء دون تقديم أي التزام”.
وبالطبع، فإن هذه القيود على مدى استعداد الولايات المتحدة لدفع الأثمان وتحمل الأعباء لم تؤدي إلى تغيير خطابها في شيئ، وهذا هو السبب في أنني أشرت، في مقالة لي بصحيفة نيويورك تايمز في عام 1998، أنه يمكن تعريف السياسة الخارجية للولايات المتحدة بأنها تبني “التغيير في الخطاب والتعايش في الواقع”. وقلت: كانت نتيجة ذلك “هيمنة جوفاء”. واستمرت هذه الهيمنة الجوفاء منذ ذلك الحين.

الضربة القاضية

قامت إدارة ترامب بتفكيك السياسة الخارجية للولايات المتحدة بشكل أكبر. حيث يميل ترامب إلى تبني الجاكسونية، بمعنى أنه لا يعبأ بما يحدث في العالم اللهم إلا اعتقاده بأن معظم الدول تستغل الولايات المتحدة. إنه قومى، و حمائي، و شعبوي، مصمم على وضع “أمريكا أولاً”. ولكنه في الحقيقة، قد ابتعد كثيراً عن تحقيق ذلك أكثر من أي شيء آخر. ففي ظل حكومة ترامب، انسحبت الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادي ومن التعامل مع آسيا بشكل عام. إنها تنفصل عن شراكتها التي دامت 70 عاماً مع أوروبا. لقد تعاملت مع أمريكا اللاتينية من خلال منظور إما إبعاد المهاجرين أو الفوز بأصواتهم في فلوريدا. لقد نجحت في إبعاد الكنديين (وهذا ليس بالأمر الهين). وعملت كمقاول من الباطن في الشرق الأوسط بتبني سياسة إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وباستثناءات قليلة متهورة – مثل الرغبة النرجسية في الفوز بجائزة نوبل من خلال محاولة صنع السلام مع كوريا الشمالية – فإن أبرز ما يميز السياسة الخارجية لترامب هو غيابها بالكلية.
عندما كانت المملكة المتحدة هي القوة العظمى في عصرها، تآكلت هيمنتها بسبب بدء ظهور العديد من القوى الهيكلية الكبيرة – صعود ألمانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لكنها فقدت أيضاً سيطرتها على إمبراطوريتها من خلال التغطرس والإكراه. وفي عام 1900، حيث كان ربع سكان العالم يخضعون للحكم البريطاني، كانت معظم المستعمرات الرئيسية للمملكة المتحدة تطالب فقط بالحكم الذاتي المحدود – “وضع السيادة” أو “الحكم الداخلي”، وفقاً لاشتراطات هذه الحقبة. ومن يدري إذا كانت المملكة المتحدة قد منحت ذلك كله لجميع مستعمراتها، أنها كانت ستتمكن من إطالة عمر امبراطوريتها لعقود من الزمن؟ لكنها لم تفعل ذلك، وأصرت على الأنانية والسعي وراء مصالحها الضيقة بدلاً من الحفاظ على مصالح الإمبراطورية الأوسع.
هناك تشابه هنا مع الولايات المتحدة. فلو تصرفت واشنطن بشكل أكثر اتساقاً في السعي لتحقيق المصالح والأفكار الأوسع نطاقاً، لكانت قد ضمنت استمرارية هيمنتها على مدى عقود (وإن كانت بشكل مختلف). ويبدو أن القاعدة التي تضمن تمديد هيمنة الليبرالية بهذه البساطة: كن أكثر ليبرالية وأقل هيمنة. لكن في كثير من الأحيان وبشكل واضح، سعت واشنطن إلى تحقيق مصالحها الذاتية الضيقة، مما أدى إلى تنفير حلفائها وتشجيع خصومها. وعلى عكس المملكة المتحدة في نهاية حقبة حكمها، فإن الولايات المتحدة ليست مفلسة أو تمتلك هيمنة طاغية، ولكنها مع ذلك تبقى هي الدولة الأقوى على هذا الكوكب. وسوف تستمر في ممارسة نفوذ هائل، أكثر من أي دولة أخرى. لكنها لن تستطيع أن تحدد أسس النظام الدولي وتهيمن عليه كما فعلت منذ ثلاثة عقود تقريباً.
ما تبقى إذن هو الأفكار الأمريكية. بسطت الولايات المتحدة هيمنتها بشكل فريد من نوعه، حيث أنها قامت بمد نفوذها لإقامة نظام عالمي جديد، وهو الحلم الذي كان يراود الرئيس وودرو ويلسون ووضع له التصور الكامل الرئيس فرانكلين روزفلت. إنه العالم الذي تم إنشاؤه بنسبة 50% بعد عام 1945، والذي كان يطلق عليه أحياناً “النظام الدولي الليبرالي”، والذي انشق منه الاتحاد السوفيتي في الحال من أجل التأسيس لعالمه الخاص. لكن العالم الحر استمر خلال الحرب الباردة، وتوسع بعد عام 1991 ليشمل معظم أنحاء العالم. وكانت الأفكار التي أسست له هي السبب في الاستقرار والازدهار الذي ساد على مدار الثلاثة أرباع الماضية من القرن. والسؤال المطروح الآن هو أنه مع تراجع قوة الولايات المتحدة الأمريكية هل سيتمكن النظام الدولي الذي كانت هي الراعي الرسمي له – القواعد والأعراف والقيم – من البقاء؟ أم هل ستشهد أمريكا تراجع إمبراطوريتها كذلك في مجال الأفكار؟



تعليقات