مساحة إعلانية 728×90

الدليل الأميركي لمكافحة التمرد

www.elsiyasa-online.com
الدليل الأميركي لمكافحة التمرد

أحمد فريد مولانا

حدثت ثورة في تعريب العلوم العسكرية بالعالم العربي أثناء حقبة الحروب النظامية مع إسرائيل وبالأخص عقب هزيمة يونيو ١٩٦٧، إذ انبرى عدد من الخبراء لترجمة أبرز الكتب العسكرية لإفادة الجيوش العربية في مرحلة إعادة البناء. فتُرجمت أعمال المنظر البروسي كلاوزفيتز والمؤرخ العسكري البريطاني ليدل هارت والجنرال فولر وغيرهم. ولكن عقب بدء مسيرة كامب ديفيد والتطبيع مع الكيان الصهيوني، تراجعت جهود الترجمة والتأليف في ذلك المجال الحيوي والهام، في حين انتشرت ترجمة المعارف بعيدة الصلة عن احتياجات أمتنا المسلمة في اللحظات الراهنة.
على الضفة الأخرى من العالم، نجد اهتماما كبيرا ومتزايد في الغرب بالكتابة والتدوين في المجالات العسكرية المتنوعة، وبالأخص المرتبط منها بمستجدات الواقع. ففي حقبة الحرب الباردة والصراع مع السوفييت والتي اتسمت بانتشار الحروب بالوكالة وحروب الأغوار، تزايدت الكتابات الغربية في مجال مكافحة حروب العصابات، ثم عقب أحداث سبتمبر والغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وما تبع ذلك من غرق أمريكا في مستنقعات المواجهة مع الجماعات الجهادية وتنظيمات المقاومة انفجر سيل هائل من الكتابات الغربية في مجال مكافحة الإرهاب ومحاربة التمرد. فنشر الجيش الأميركي في ديسمبر 2006 “دليل الميدان للجيش الأميركي وقوات المارينز في مكافحة التمرد” والذي صدر بعد عشرين سنة من آخر إصدار أميركي رسمي في ذلك المجال، ثم نشرت الحكومة الأميركية عام 2009 دليلا لمكافحة التمرد تميز بالشمولية والعمق والإيجاز.
واليوم في ظل موجة الثورات المضادة التي تتعرض خلالها شعوبنا المسلمة للحرب بالوكالة على يد ما كان يُفترض أنها جيوش وطنية، أصبح من المهم العناية بتلك المجالات العسكرية والأمنية، وإدخالها في دائرة اهتمام الحركات الإسلامية والوطنية. لذا سعيت مع بعض الزملاء لتدشين فريق عمل يُعنى بترجمة أبرز الإصدارات الغربية المرجعية في مجالات مكافحة التمرد والشؤون الأمنية والاستخبارية.

مقدمة الدليل

شاركت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة في حملات طويلة لمكافحة التمرد بأفغانستان والعراق، ودعمت العديد من الحكومات الصديقة التي تواجه أعمال تخريب داخلي في سائر أنحاء العالم. وللقيام بذلك أعادت الولايات المتحدة تعلم الدروس القديمة لمكافحة التمرد، ووضعت مفاهيم وأساليب جديدة لدعم الحكومات المعتدلة والمؤيدة للحرية.
إننا يمكننا القول بأن هذا الدليل هو الأول من نوعه فيما يقرب من نصف قرن، وهو أفضل عمل عقائدي في موضوعه، إذ يستخلص زبدة ما في الفكر المعاصر والمعرفة التاريخية والممارسة الواقعية المكتسبة بشق الأنفس، كما يتسم بالعملية بالرغم من صرامته الفكرية.
لقد أصبحت الحرب غير النظامية أكثر تنوعا من الصراع التقليدي بدرجة كبيرة، ونظرا لأن مكافحة التمرد تضع أعباء كبيرة على كاهل البيروقراطيات في العمل مع الحلفاء والمنظمات غير الحكومية، فقد لزم الاهتمام بالأطر الفكرية المتماسكة لتوفير التوجيه والمرونة اللازمين للتكيف مع الظروف المختلفة.
إن اعتماد هذا الدليل من قبل قادة وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، يعطي مثالا للشراكة التي كانت ومازالت مطلوبة بين هذه الإدارات وغيرها، إذا أردنا أن ننجح في المستقبل.
وعلى الرغم من أن قدرا كبيرا من قدرتنا على ربط الجهود المشتركة معا ينبع من ميدان المعركة، فإن هناك دورا هاما للأفكار والسياسات المتعلقة بالأسئلة الأولية، وهو ما يوفره هذا الدليل.
إن خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب؛ ومن ثم فإن المعرفة الدقيقة ولاسيما فهم “التركيبة البشرية” أمر ضروري. فضلا عن أهمية التحلي بالصبر للنجاح في تلك الصراعات الطويلة.
لقد قدمت الولايات المتحدة ابتكارات ميدانية ملحوظة في مجال مكافحة التمرد، ولعل أهم تلك المبادرات الجديدة يتمثل في إنشاء فرق إعادة الإعمار الإقليمية التي تجمع بين الأفراد المدنيين والعسكريين لتنفيذ الأعمال الإنمائية التي مثلت ضرورة للنجاح في العراق وأفغانستان. ومثلما تتطور تلك الصراعات، فقد تطورت فرق المساعدة المؤقتة، إذ تغير تكوينها، وفي بعض الحالات تغيرت مهمتها أيضا.
وهذا الدليل يسلط الضوء على نوع من التفكير والمعارف المتراكمة التي أدت إلى تأسيس هذا الابتكار الناجح، وتكييفه على مر السنين.
من المنتظر أن يمثل التمرد عنصرا ضخما ومتزايدا ضمن التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. فمع أن احتمال نشوب صراع تقليدي ما زال قائما، إلا أن الحقيقة أن القوى الرئيسية للنظام الدولي في اللحظة الراهنة مترددة بشدة بشأن الانخراط في صراع من هذا النوع. بينما نجد أن التمرد يمكن أن يزدهر في البيئة الحديثة، فالتوترات التي أوجدتها العولمة بانهيار هياكل الدول الضعيفة، والضغوط الديمغرافية والبيئية والاقتصادية، وسهولة التعاون بين الجماعات المتمردة والمجرمين، وظهور الأيديولوجيات الراديكالية المدمرة، تنبئ بفترة تكون خلالها الحكومات الحرة المعتدلة في خطر. وفي عالم اليوم، لا يمثل فشل الدولة مجرد مشكلة للمجتمعات المحلية، بل يمكن أن يتعدى ذلك سريعا ليشكل تهديدا للأمن العالمي.
وبالرغم من أن مشاركة الولايات المتحدة في مكافحة أي تمرد محدد هى مسألة خيار سياسي، إلا أن انخراطها في مثل هذه الصراعات خلال العقود القادمة هو أمر شبه مؤكد. وسيساعد دليل مكافحة التمرد في تهيئة وإعداد صانعي القرار من نواح عديدة للقيام بما ينتج عن هذه الحقيقة من مهام.
وننبه أن هذا الدليل سيخدم على نحو أفضل إذا لم يعامل كمجموعة محددة وصارمة من الوصفات، وإنما يجب التعامل معه كمحفز للتفكير الإبداعي المنضبط.
الدكتور إليوت أ. كوهين – مستشار وزارة الخارجية.




الملخص التنفيذي

إن التمرد هو الاستخدام المنظم للتخريب والعنف للاستيلاء على أو تقويض أو تحدي السيطرة السياسية على منطقة ما. ومن ثم فهو في المقام الأول صراع سياسي يستخدم فيه الطرفان القوة المسلحة لإفساح مجال يتيح لهما تفعيل نفوذهما وأنشطتهما السياسية والاقتصادية.
ولا يحدث التمرد دائما من قبل مجموعة واحدة ذات هيكل قيادة مركزي على النمط العسكري، بل إنه قد يقع من قبل منظومة معقدة تتكون من أطراف فاعلة مختلفة ذات أغراض متعددة، وترتبط ارتباطا غير محكم بشبكات ديناميكية غير هرمية.
تتطلب حركات التمرد كي تنجح: قيادة كاريزمية، وأنصار، ومجندون وإمدادات، وملاذات آمنة، وتمويل (غالبا ما يكون من أنشطة غير مشروعة). وهي لا تحتاج دعما فعالا إلا من جانب عدد قليل من الأفراد القادرين على تقديم الدعم، في الوقت الذي يوفر فيه القبول الضمني من قبل نسبة كبيرة من السكان المتنازع على ولائهم احتمالية أكبر للنجاح. ويتحقق ذلك القبول على أفضل وجه عندما تكون القضية السياسية المحركة للتمرد ذات جاذبية قوية، فتوظف الهوية الدينية أو القبلية أو المحلية من أجل استغلال المظالم المجتمعية المنتشرة واحتياجات السكان.
يسعى المتمردون إلى السيطرة على السكان من خلال مزيج من الإقناع والتخريب والإكراه، بينما يستخدمون تكتيكات حرب العصابات ليكافئوا قوة قوات الأمن الحكومية.
ويهدف المتمردون عادة إلى إطالة زمن الصراع، واستنزاف طاقة الحكومة، وكسب تأييد شعبي كاف لإجبار خصومهم على الاستسلام أو تسوية النزاع سياسيا. ونتيجة لذلك تتطور حالات التمرد خلال سلسلة من المراحل، مع التأكيد على أن كلا من تطور تلك المراحل ونتائجها سيختلف حسب كل حالة تقريبا.
إن مكافحة التمرد عبارة عن مزيج من الجهود المدنية والعسكرية الشاملة التي تهدف إلى احتواء التمرد الحادث ومعالجة أسبابه الجذرية في آن واحد. وخلافا للحرب التقليدية، فإنه كثيرا ما تكون الوسائل غير العسكرية هي أكثر العناصر فعالية، بينما تلعب القوات العسكرية دورا مهيئا للساحة.
إن مكافحة التمرد عملية معقدة للغاية تتطلب من صناع السياسات فهما دقيقا لمجال تخصصهم، كما تتطلب معرفة واسعة بمجموعة متنوعة من التخصصات ذات الصلة.
يجب أن تكون مكافحة التمرد عملية مرنة وقابلة للتكيف. فتركز استراتيجياتها عادة على السكان بدلا من العدو، وتسعى إلى تعزيز شرعية الحكومة المتضررة بالتوازي مع الحد من نفوذ المتمردين. ولا يمكن تحقيق ذلك في كثير من الأحيان إلا بالتزامن مع الإصلاح السياسي لتحسين نوعية الحكم، ومعالجة المظالم ذات الأولوية، التي قد يكون الكثير منها مشروعا.
وبما أن حملات مكافحة التمرد الأمريكية عادة ما تنطوي على المشاركة في دعم حكومة أجنبية (إما بشكل مستقل أو كجزء من تحالف) فإن النجاح غالبا ما يعتمد على رغبة تلك الحكومة في إجراء التغييرات السياسية اللازمة. حيث إنه لا يمكن للاعب خارجي -مهما كانت درايته الفنية وحماسته- أن يعوض بشكل كامل نقص الإرادة، أو العجز، أو السلوك غير المثمر من جانب الحكومة المدعومة.
يستخدم هذا الدليل نموذجا لمكافحة التمرد يتألف من خمس مهمات رئيسية:
أولا: المهمة السياسية: هي المهمة الرئيسية، وتوفر إطارا للمصالحة السياسية يدور حول إصلاح الحكم، وهذا هو ما تدور حوله جميع أنشطة مكافحة التمرد الأخرى. وبوجه عام فإن استراتيجية “مكافحة التمرد” تكون جيدة بقدر وجود خطة سياسية في القلب منها.
ثانيا: المهمة الاقتصادية: تسعى إلى توفير الخدمات الأساسية وتحفيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل، مما يولد الثقة في الحكومة، وفي نفس الوقت يحد من أعداد الشباب والشابات العاطلين عن العمل الذين يسهل على المتمردين استقطابهم.
ثالثا: المهمة الأمنية: هي عامل مهيئ للوظائف الأخرى، لكنها لا تنطوي فحسب على تنمية القوة العسكرية للدولة المتضررة، وإنما تشمل تنمية القطاع الأمني بالكامل بما في ذلك الإطار القانوني المرتبط به، وآليات الرقابة المدنية والنظام القضائي. فإرساء الأمن ليس مقدما على الأنشطة الاقتصادية والحكومية، بل يجب أن يتم تطوير النشاط الأمني والاقتصادي والحكومي بشكل متواز.
رابعا: المهمة المعلوماتية: تشمل الاستخبارات (المطلوبة للحصول على الفهم) والتأثير (لتعزيز قضية الحكومة المتضررة). ومن الضروري أن تتماشى حملة التأثير مع الخطاب الاستراتيجي الذي يتردد صداه على مسامع الجماهير المعنية، والمعتمد على الحلول الحقيقية من جانب الحكومة المستهدفة. كما يجب أن تتوافق الإجراءات المادية مع الخطاب.
إن ما يجعل عملية مكافحة التمرد مختلفة عن العمليات الأخرى لتحقيق الاستقرار والمهام الإنسانية ، هو أن كلا من مهام عنصري المعلومات (الاستخبارات والتأثير) يتنافسان بقوة مع مهام المعلومات التي يحصل عليها المتمردون.
خامسا: تسهم هذه المهام الأربع السابقة في تحقيق الهدف العام المتمثل في تمكين الحكومة المتضررة من فرض سيطرتها وتعزيزها، ثم نقل المهام من قوات التدخل إلى القوات الوطنية، ومن المؤسسات العسكرية إلى المؤسسات المدنية.
ولا يخفى أنه من الملح التنسيق بين الأنشطة السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، وهو ما يتطلب توحيد الجهود بين جميع الجهات المشاركة في مكافحة التمرد (الحكومة المتضررة، والوكالات الحكومية الأمريكية، وشركاء التحالف). ويتم تحقيق ذلك على أفضل وجه من خلال نهج متكامل للتقييم والتخطيط.
ويؤدي التقييم المشترك للتمرد من قبل الأطراف المشتركة في مكافحته، إلى إيجاد فهم عميق للعوامل الثقافية والأيديولوجية والدينية والديموغرافية والجغرافية التي تؤثر عليه. فيوفر هذا الفهم الأساس لصياغة السياسات، وتقييم كل من المخاطر وتكاليف التدخل التي قد تعود بالضرر على المصالح الأمريكية، وهو ما يساهم في تحديد ما إذا كان ينبغي أن تتدخل الولايات المتحدة أم لا، وما هو الشكل الذي ينبغي أن يتخذه هذا التدخل.
فقرار التدخل لا ينبغي أن يتم اتخاذه بشكل طائش وغير مبال، لأن حملات مكافحة التمرد أثبتت عبر التاريخ أنها تكون أكثر كلفة وطولا وصعوبة مما كان متوقعا في بدايتها.
إن أشياء كثيرة تتوقف على درجة فهم صانعي السياسات لمدى استعداد الحكومة المتضررة لتقبل المساعدة والمشورة والإصلاح، فمن الحماقة التدخل ما لم يكن هناك احتمال معقول للتعاون.
وإذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب.
إنه لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة).
وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة. ويتبع ذلك التخطيط التفصيلي والمتكامل، كما تستخدم عملية المتابعة والتقييم المستمر لقياس التقدم، وتحديد ما هي التغييرات المنهجية الضرورية لتحقيق النجاح.
قد يكون من الصعب تعريف النجاح في إدارة عمليات مكافحة التمرد، ولكن تحسين أداء الحكومة سيؤدي عادة إلى تهميش المتمردين وايصالهم إلى النقطة التي يتم فيها تدميرهم أو تحييدهم أو تقليص خطورتهم حيث تتناقص أعدادهم وتضعف قدراتهم. وعندما نضمن أن النجاح صار مسألة محسومة وقضية وقت فقط لا غير، فعندئذ يمكن ايقاف التدخل الأميركي قبل القضاء نهائيا على التمرد في الميدان.
وفي نهاية المطاف، فإن الغاية النهائية المنشودة هي وجود حكومة يُنظر إليها على أنها شرعية، وتسيطر على مؤسسات مجتمعية وسياسية واقتصادية وأمنية تلبي احتياجات السكان، وتملك آليات كافية لمعالجة المظالم التي أججت دعم البعض للتمرد.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->