أثر الحروب الاقتصادية على اقتصاديات دول شمال افريقيا: بيان في أسباب التضرر واستنتاج لفرص التوظيف


د. أمال خالي

نتناول في هذا المقال موضوع أثر الحروب الاقتصادية على دول شمال افريقيا. تنبع أهمية الموضوع من جدته وارتباطه بمنطقة مهمة للنشاط الاقتصادي العالمي، حيث تعتبر منطقة شمال افريقيا معنية ومستهدفة بالحروب الاقتصادية العالمية، لأكثر من سبب من بينها موقع المنطقة الاستراتيجي الرابط بين الشمال الأوروبي والقارة السمراء العذراء اقتصادياً، وكذا ارتباطها بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، التي تبرز كأحد المناطق التي تثير توتراً دولياً حول الموارد الاقتصادية والتموقع في الأسواق والممرات (MENA).
عرفت المنطقة تاريخياً تجارب مختلفة في توظيف السلاح الاقتصادي، على غرار قرار تأميم قناة السويس وما نتج عنه من تجميد أموال مصر وشركة القناة في البنوك الأمريكية والبريطانية، والذي قاد لاحقاً الى شن العدوان الثلاثي على مصر، كما نتذكر قرار حظر النفط الذي اتخذته الأوبيك سنة 1973  للضغط على الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا  الداعمتين لإسرائيل، ومن دول المنطقة التي عانت من العقوبات الاقتصادية تبرز ليبيا القذافي التي خضعت لعقوبات المجتمع الدولي تطبيقاً لقرارات محكمة لاهاي إثر (قضية لوكربي) عن طريق تجميد الأموال ووقف الاستثمارات، وغيرها من العقوبات.
رغم توظيف دول الشمال الافريقي للسلاح الاقتصادي في أكثر من مناسبة الا أن طبيعة الحروب الاقتصادية الراهنة، التي تفرض التحكم في أدوات الحروب الاقتصادية بما يكسب الدولة القدرة على الفعل ورد الفعل الاقتصادي، وضعها في مركز التأثر عوض التأثير.
الإشكالية: نناقش عبر هذا المقال أسباب تأثر اقتصاديات دول شمال افريقيا بنتائج الحروب الاقتصادية العالمية، ونستنتج عبر بيان الأسباب إمكانيات الاستفادة والتوظيف لمخرجات هذا النوع من الحروب.

  1. الحروب الاقتصادية: النشأة، المفهوم والأدوات
الحرب الاقتصادية هي مفهوم قديم النشأة حديث الشيوع والانتشار، فقد ارتبطت ممارسته بالعهد الماركنتيلي، أين كانت قوة الدولة تُقاس بجمع الثروة عبر زيادة التصدير وخفض الاستيراد، في اطار عملية تبادلية مضبوطة ومقننة. مثل الفكر الماركنتيلي احد الأسباب الهامة في الحروب في العالم القديم وأول أشكال تدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد، فكان التوسع التجاري يحتاج الى توظيف القوة العسكرية وكانت زيادة هذه الأخيرة تعتمد على تنشيط التجارة.
تواصل الماركانتيلية الجديدة في الدمج بين الفكر الواقعي والماركنتيلي الذي يرى المنافسة حتمية دولية، لاسيما حين تغيب القوة المهيمنة،[1] وهي الوضعية التي يعرفها العالم حالياً حيث تغيب قوة اقتصادية دولية مهيمنة وتتعدد الأقطاب الاقتصادية، وتتضارب الأهداف والمقاربات لا سيما مع تنامي قوى اقتصادية ناشئة فيما يسمى بدول البريكس.
ان الجذور النظرية لمفهوم الحرب الاقتصادية غامضة،[2] هذا ما أدى للتعامل معها معاملة عكسية تنطلق من كونها ممارسة وأمراً واقعاً ثم الرجوع للبحث بين نظريات الاقتصاد السياسي على أسانيدها.
كان يُنظر للحرب الاقتصادية عادة كأداة مساعدة للحروب المسلحة، لممارسة ضغوط على العدو. لكن نهاية الحرب الباردة وتطوير السلاح النووي، ساهما في إعادة تحديد مفهوم توازن القوى الدولي وتحديد مفهوم القوة في حد ذاته، فبرز الاقتصاد كأحد أهم محددات القوة وتوازناتها الى الحد الذي عرف فيه التركيز على الجيوبوليتيك الدولي تحولاً نحو الجيواقتصاد،[3] وانتقل العالم من المنافسة على الأراضي الى المنافسة على تقوية وتطوير الصناعة وتصريف المنتجات، ومن الحديث عن غزو الأراضي الى الحديث عن غزو الأسواق، ووضع اليد على الموارد الأولية والمعابر والممرات تأميناً للتسويق وخفضاً لتكاليفه … جعلت هذه المقاربة دول العالم في وضع المنافسة المحتدمة والمتصاعدة، الى حد وصفها بالحرب بين الدول والتكتلات الاقتصادية، فأصبحت الحروب الاقتصادية ممارسة ثابتة ومستمرة.
تعريف الحرب الاقتصادية:[4] الحرب الاقتصادية هي استخدام الأدوات الاقتصادية من طرف دولة أو مجموعة دول ضد دولة أخرى أو مجموعة دول، أو تستخدم من طرف فواعل أخرى[5] بصفة قانونية أو غير قانونية مباشرة أو غير مباشرة لإجبار الخصم على تغيير سياساته أو سلوكه أو للحيلولة دون سلوكه علاقات عادية مع الدول الغير.
وقد تعتبر الحرب الاقتصادية جزء من الحرب بمفهومها التقليدي، فترمز لجملة التكتيكات التي تتخذها الدول خلال حروبها العسكرية، أو تعني جملة الوسائل والأدوات التي تستخدمها الدول للتأثير في الدول الأخرى لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية. وتحصرها تعريفات بكونها الاستراتيجية الاقتصادية التي يتم فيها توظيف أدوات الهدف منها إضعاف اقتصاد دولة غير.
والأرجح أن التعريف الذي يوسع الحرب الاقتصادية الى تحقيق غايات سياسية واقتصادية، هو الأصلح لمقاربة الأوضاع الدولية الراهنة، باعتبار النص على الاجراءات الاقتصادية الرادعة في شريعة هيئة الأمم المتحدة تحت الفصل VII .
أدوات الحرب الاقتصادية:
تختلف الأدوات الموظفة في الحروب الاقتصادية وتتنوع، للحرب الاقتصادية وسائل تقليدية (متعارف عليها) كالمقاطعة والحصار التجاري، التمييز الجمركي السلبي، تجميد رؤوس الأموال والحسابات البنكية والمصرفية، قطع الإعانات، قطع الاستثمارات ومصادر رؤوس الأموال المساعدات المالية[6]… وأخرى حديثة نسبياً كالقرصنة المعلوماتية والحروب الإعلامية، ومن ضروبها توظيف وسائط التواصل لأغراض الدعاية المغرضة، التي من شأنها الاضرار بأسواق المال وجاذبية المناخ لاستقبال الأعمال…
  1. IIأسباب تأثر دول شمال افريقيا بمخرجات الحروب الاقتصادية
نناقش في هذه النقطة أبرز الأسباب التي تجعل منطقة الشمال الافريقي هشة أمام مخرجات الحروب الاقتصادية، ومنها ما يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي الحالي المتميز بالانفتاح  والتشابك والاعتماد المتبادل، ومنها المتعلق مباشرة بطبيعة اقتصاديات هذه الدول والعلاقات الاقتصادية بينها. نشرح هذه الاعتبارات كالتالي:
  • طبيعة اقتصاديات دول الشمال الافريقي تجعلها حساسة للحروب الاقتصادية التي تجري في العالم وفي محيطها وهشة أمام تقلباتها:
تصنف اقتصاديات دول شمال افريقيا الى صنفين: اقتصاديات مصدرة للموارد الأولية وهي الاقتصاديات الريعية وتشمل أساسا كل من ( ليبيا والجزائر وموريتانيا) وبقية مستوردة لها. تتميز الاقتصاديات الريعية بكونها اقتصاديات ضعيفة التنويع سريعة التأثر بتقلبات أسواق الطاقة الدولية، بطيئة التعافي من آثارها
وهي اقتصادات ضعيفة من حيث استغلال الموارد البشرية والاستثمار سواء في شكله الصناعي أو الزراعي. أما الصنف الثاني من الاقتصاديات الشمال افريقية فهي ذات طبيعة أكثر تنوعا من الصنف الأول، تحمل طابعا خدماتياً وتقدماً نسبياً في القطاع المالي والمصرفي والسياحي، لكن يبقى الصنفين يعانيان من أداءات اقتصادية ضعيفة.
صحيح ان خاصية الاعتماد المتبادل التي تمتاز بها العلاقات الاقتصادية الدولية الراهنة، جعل الدول تتأثر بشكل أو بآخر بالسياسات الاقتصادية للدول الشريكة تجارياً واقتصادياً، لكن في حالة اقتصاديات الشمال الافريقية تبدو خاصية الهشاشة أكثر دقة، ذلك لأن نقص التنويع على مستوى الصادرات وكذا الشركاء الاقتصاديين، يجعلها غير قادرة على الاستجابة بفعالية لتغير سياسات الغير، لا بل وتتعدى في أحيان كثيرة إلى درجة التبعية الاقتصادية التي تثبتها مؤشرات كثيرة نستشهد من بينها بارتفاع الدين الخارجي نسبة للناتج الوطني الخام، اذ قدر سنة ( 2015  في موريتانيا  66  ، المغرب 43،  تونس 64، مصر 14 ، والجزائر 2 ,5. [7]وتدل أرقام 2018  ) على اتخاذه منحى تصاعديا[8].
  • تكلفة ضعف التنسيق الاقتصادي ونقص فعالية التكتل:
ترافق تنامي مسار العولمة مع انتشار التكتلات الإقليمية التي تدخل في صلب استراتيجيات الحروب الاقتصادية للدول الكبرى. الا أن التكتلات الاقتصادية التي تحتوي دول شمال افريقيا على قلتها تكاد تكون فاقدة للفعالية: بدء بالاتحاد المغاربي الذي يضم دول الشمال الافريقي عدا مصر، وهو المشلول منذ الإعلان عن تأسيسه سنة 1989. يتذيل الاتحاد مناطق العالم من حيث التبادلات التجارية بنسبة لا تتعدى 4  في أحسن حالاتها وبمجموع 36 اتفاقية لم تتم المصادقة الا على 6 من بينها، وبين أسباب جمود الاتحاد السياسية والاقتصادية تبقى حصيلته السلبية نقطة الوفاق الوحيدة.[9]
إضافة الى اضعاف اقتصادات دول الاتحاد يتسبب جمود هذا الاطار في تضييع فرص استغلال موارد الاقليم وتوسيع السوق الإقليمية بغية توظيف الميزة التنافسية للإقليم، كما يضعف هذا الجمود موقف دول الاتحاد التفاوضي لا سيما أمام الشريك الأوروبي، وهذا على غرار محصلة التفاوض حول الشراكة الأورو-متوسطية، أين تفاوضت الدول الأوروبية تحت غطاء الاتحاد مع كل دولة للضفة الجنوبية للمتوسط على حدا لتتمكن من فرض مقاربة تجارية محضة للشراكة وسَعت عبرها أسواقها الى الضفة الجنوبية واستطاعت
في نفس الوقت اقصاء كل من السلع الغذائية من حرية التبادل حماية لمنتجاتها المحلية، وكذا استثناء انتقال اليد العاملة بحرية.
أما في اطار جامعة الدول العربية، فلا تبدو منظمة التجارة العربية الكبرى GZAEL  أكثر مردودية اذا قدرنا الطابع التنسيقي للمنظمة، تشابه قائمة الصادرات المتركزة على المواد الأولية والمنتجات الزراعية، ضعف شبكات التنقل يضاف اليها العوائق الإدارية وضعف الالتزام والتنسيق الذي تعزز بالنزاعات في المنطقة وبين دولها وتوجه بعض الدول لحماية منتجاتها على غرار القرار رقم 43 لسنة 2016   الذي اتخذته مصر لفرض قيود على الاستيراد.[10]
بل وتمتاز اقتصاديات هذه الدول بالتنافسية الشديدة فيما بينها، بعض أسبابها بنيوي راجع لتباينات اقتصادية وأخرى سياسية محضة. وهل أبلغ مثالاً من الحصار الاقتصادي الذي تمارسه دول مجلس التعاون الخليجي على قطر.
  • الأمن الغذائي في دول شمال افريقيا: البعد الأمني الأكثر هشاشة
يعتبر الامن الغذائي من أبرز الهواجس التي تطارد دول العالم كبيرها وصغيرها، وهي من مفاتيح الفوز بالحروب الاقتصادية، ومن أدوات الضغط المستعصية على التحكم. فأمام التغيرات المناخية، وتركز زراعة المواد الحيوية في بؤر التوتر والمناطق الأقل استقراراً، وارتفاع تكلفة الإنتاج وحساسية متطلبات النقل، أصبح توفير الأمن الغذائي ضرورة لاستمرار الدول ومن بينها دول الشمال الافريقي.
رغم ان تحقيق الامن الغذائي[11]  لا يمكن أن يكون الا نسبياً على مستوى الدولة الواحدة، غير أن دول الشمال الافريقي بعيدة عن تحقيق الأمن الغذائي في أبسط صوره، ومنها توفير احتياجاتها من الحبوب، حيث تنقسم دول الشمال الافريقي في هذا المجال الى مجموعتين: أولى تتأثر بالعرض الدولي لهذه المحاصيل وارتفاع أسعارها الدولية وتنضوي في هذه المجموعة: (مصر، موريتانيا، تونس والمغرب) ومجموعة تضم الدول التي تتأثر بانخفاض العرض الدولي والتي تضم كل من (الجزائر وليبيا). تؤثر عدم قدرة هذه الدول على توفير أمنها الغذائي على فاتورة وارداتها، وتخلق نوعاً من التبعية المفرطة لمصادر الاستيراد وتكبيلاً لخط سياساتها الخارجية، كما أنها تغدو تحت رحمة الاضطرابات الحاصلة في مناطق الإنتاج وخطوط النقل وإرادة التموين…
  • أثر حرب العملات الدولية على اقتصاديات شمال افريقيا
تمارس الدول الكبرى مجموعة من السياسات النقدية، التي من شأنها تعظيم فوائدها أو الاضرار بالدول الغير، وهذا على غرار خفض قيمة العملة لرفع الطلب على الواردات أو خفض سعر الفائدة لخفض الانكماش أو رفعها لجذب الاستثمارات المصرفية… وغيرها من الاجراءات. تقف دول الشمال الافريقي ها هنا موقف المفعول به.
ان التبعية المفرطة التي تعيشها هذه الدول واعتمادها المفرط على الواردات، إضافة الى طبيعة صادراتها الخاضعة لتقلبات أسواق العرض والطلب، يجعلها تتأثر بشكل مباشر وكبير باضطرابات العملات الأجنبية، فانهيار سعر الدولار يفهم في دول الشمال الافريقي انهياراً لسعر النفط والغاز وزيادة في فواتير الغذاء والدواء وارتفاعا للدين الخارجي، واستهلالاً لاستنزاف الخزائن العمومية في خدمة الدين… وهلم جرا.
الخاتمة:
نظراً لضعف اقتصاديات شمال افريقيا وتبعيتها المفرطة، تظهر هذه الأخيرة هامشية أمام الحروب الاقتصادية الدولية هشة أمام مخرجاتها، لا بل تعتبر حلبة لهذه الحروب لاسيما التجارية منها، لكن هذا لا يعني اكتفاء دول الشمال الافريقي بالدور السلبي، بل تعتبر الحروب الاقتصادية فرصة للتفاوض والمساومة والاستفادة من اغراءات التنافس على أسواقها، مواردها، اليد العاملة فيها، موقعها بالنسبة للسوق العربي والإفريقي.
ومن شأن تعميق الاندماج الاقتصادي بين دول شمال افريقيا، تحسين موقعها من آثار الحروب الاقتصادية وزيادة مناعتها في ظرف الأزمات. كما يحول دون استخدام الوسائل الاقتصادية للضغط من طرف الواحدة على الأخرى على غرار الجارتين الجزائر والمغرب التي تتواصل بينهما غلق الحدود البرية منذ سنة 1994.
ويعتبر تنويع الصادرات وتنويع الشركاء الاقتصاديين، سبيلاً لتوفير بدائل في حال نشوب حروب اقتصادية، تجارية أو حرب عملات بين الشركاء من الدول الكبرى، كما تعتبر هذه الوضعيات فرصاً للاستفادة من تسهيلات وفرص ليست بالضرورة متاحة لدول الشمال الافريقي في الظروف العادية.
تعليقات