مساحة إعلانية 728×90

موقع الدراما في السياسة الخارجية التركية

www.elsiyasa-online.com
موقع الدراما في السياسة الخارجية التركية

محمد فوزي

يسيطر علي القيادة السياسية التركية حلم إعادة إنتاج الدولة العثمانية وهو ما انعكس علي سياساتهم الداخلية والخارجية بشكل ملحوظ وتجسد ذلك بشكل واضح وكبير منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلي سدة الحكم في تركيا وظهور مصطلح ” العثمانيون الجدد ” ، ولا يخفي الدور الكبير للمكون الأيديولوجي في هذه المسألة ، فحزب العدالة والتنمية وقياداته أصحاب مرجعية إسلامية تتجاوز مفهوم الدولة أو الأمة ، وهي المرجعية التي تعتبر أقرب ما يكون إلي ما جسدته الدولة العثمانية .
يجب إدراك واستيعاب هذا الجانب المهم عند الحديث عن السياسة الخارجية التركية وموقع القوة الناعمة فيها وعلي وجه الخصوص ” الدراما ” وما تعكسه هذه الدراما وما تحمله من رسائل مرتبطة بهذا المفهوم ، فالدراما أداة فنية يمكن أن تحمل رسائل مباشرة أوغير مباشرة معينة يتم تصديرها لدعم الإنتشار الناعم دوليا وإقليميا .
في هذا السياق سوف نرصد في هذا المقال مظاهر اهتمام القيادة التركية بالدراما بشكل عام والتاريخية منها بشكل خاص ، وما حققته الدراما التركية خلال السنوات الماضية ، وأهم التداعيات المترتبة علي الإنتشار الواسع الذي حظيت به ، و الأهداف من هذا التوجه التركي وتوظيف الدراما .
توجه حزب العدالة والتنمية نحو الدراما :
بعد صدور مسلسل ” حريم السلطان ” عام 2011 والذي استمر حتي عام 2014 وهو المسلسل الذي سلط الضوء كثيرا علي الحياة الخاصة للسلطان سليمان القانوني وهو ما أثار ضجة وجدل كبير ، بلغ حد المطالبة بوقفه من قبل سياسيين أتراك ، حتي أن رئيس الوزراء التركي آنذاك والرئيس الحالي ” أردوغان ” قال: “أنا لا أعرف شخصية السلطان سليمان القانوني التي يظهرها المسلسل ” ، موجها انتقادات كبيرة للمسلسل بسبب ما قال عنه انها صورة مضللة وخاطئة عن ” القانوني ” “1”
وهو ما ترتب عليه لاحقا وبالتحديد منذ 2014 التوجه نحو انتاج أعمال درامية تعرض وجهة نظر مغايرة عن سلاطين الدولة العثمانية ورموزها وتتبني أفكار وتوجهات حزب العدالة والتنمية بشكل مباشر أو ضمني ، فظهر علي الساحة مسلسل ” قيامة أرطغرل ” والذي بدأ عرضه في 2014 علي شاشة TRT وهو العمل الذي تناول قصة ” أرطغرل بن سليمان شاه ” والد ” عثمان بن أرطغرل ” مؤسس الدولة العثمانية وحظي بانتشار واسع حول العالم .
كان من أهم المظاهر التي أكدت دعم القيادة التركية والرئيس التركي لهذا العمل وهذا التوجه بشكل عام  ما رأيناه من استقبال أردوغان لأبطال المسلسل بأزيائهم التاريخية في ذكري فتح القسطنطينية “2” ، والزيارات المتكررة التي قام بها لموقع تصوير المسلسل برفقة زوجته ليحيي أبطال المسلسل ويحثهم علي المواصلة والاستمرار “3” ، بالإضافة إلي حضوره أكثر من حفل زفاف  لأبطال المسلسل “4” ، واصطحابه لأبطال المسلسل أثناء العديد من زياراته الخارجية كما حدث في زيارته لقطر والكويت “5” ، واستخدام موسيقي مسلسل قيامة أرطغرل في أكثر من محفل ومناسبة ، وأخيرا عرض المسلسل علي شاشة التلفزيون التركي .
أعقب هذا العمل العديد من الأعمال الدرامية في نفس السياق مثل ” عاصمة عبدالحميد ” والذي يتناول فترة حكم آخر سلاطين الدولة العثمانية السلطان ” عبدالحميد الثاني ”  ، ومسلسل ” كوت العمارة ” وهو الذي يروي قصة المعركة التي جرت بين الجيش العثماني والجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الأولي وانتهت بانتصار كبير للعثمانيين علي حساب الإنجليز ويتناول كذلك دور الجواسيس العثمانيين في هذا الانتصار .
عكست كل هذه الأعمال في مضمونها طموحا قوميا تركيا مبني علي أسس تاريخية وقومية ، حيث صورت هذه الأعمال الأتراك علي أنهم حماة حمي الإسلام ومنقذوه ، فتجلت نزعة قومية مغلفة بمشاعر دينية ، مع تهميش لباقي الأعراق وعدم ذكر لأي دور لها علي المستوي التاريخي أو الحضاري بل علي العكس في بعض الأحيان تضمنت ذكر وإشارة إلي خيانة هذه الأعراق كبعض القبائل العربية للعثمانيين وتحالفهم مع أعدائهم .



وبالتالي هدفت هذه الأعمال التركية في مجملها كما ذكرنا إلي إعادة استحضار التاريخ من وجهة نظر القيادة التركية وتوظيفه بما يخدم توجهات حزب العدالة والتنمية أي الأهداف التوسعية في ضوء مفهوم ” العثمانيون الجدد ” وتتحرك هذه الأعمال وتلعب علي القيم والمبادئ التي تجذب تعاطف المشاهد العربي بما يضمن دعمه لتركيا وانبهاره بنموذجها وإيمانه بمشروعية توجهاتها .
ما حققته الدراما التركية :
قفزت الدراما التركية قفزة هائلة في وقت قصير نسبيًا، فبينما وصلت عائداتها من تصدير المسلسلات للخارج في 2004 إلي 10 آلاف دولار  وهو رقم هزيل استطاعت أن تضاعف هذا الرقم مئات المرات لتحقق صادراتها للدراما 350 مليون دولار عام 2016 “6” لتصبح ثاني أكثر بلد حول العالم من حيث تصدير الأعمال الدرامية بعد الولايات المتحدة “7” ، إذ صدرت تركيا أعمالها الدرامية إلي 142 دولة حول العالم بحلول عام 2016 مقارنة ب 50 دولة عام 2012  ، وتستهدف صناعة السينما التركية حسب تقارير للوصول إلي 2 مليار دولار عام 2023 ، كما أنه وفقا لبيانات التنسيقية الدبلوماسية العامة لرئاسة الوزراء التركية فإن تركيا تنتج نحو 100 عمل درامي سنويا ، تصدر منها حوالي 15 عملا إلي الشرق الأوسط والبلقان ودول أمريكا اللاتينية وغيرها ، ويصل عدد مشاهدي الدراما التركية خارج تركيا إلي حوالي 400 مليون شخص . ” 8″
التداعيات المترتبة علي انتشار الدراما التركية :
ترتب علي هذا الانتشار الواسع للدراما التركية العديد من النتائج الهامة والمكاسب التي حققتها تركيا ولنذكر منها مثلا :
1- ساهمت الدراما التركية  في إنعاش سوق الملابس الجاهزة والإكسسوارات والحلي التركية في دول الشرق الأوسط  ومختلف الدول التي تعرض فيها ، من خلال إقبال المشاهدين علي المنتجات التركية التي يرونها في الأعمال الدرامية .”9″
2- امتد تأثير الدراما التركية إلي الحرص والإهتمام بشراء الأثاث وديكورات المنازل حسبما يتم تداولها في الأعمال الدرامية ، والسعودية هي الأعلي في هذا الصدد إذ ازداد إقبال المواطن السعودي علي شراء الأثاث الغير تقليدي وهو ما ترتب عليه زيادة الواردات السعودية من الأثاث التركي من 81.2 مليون دولار في 2013 إلي 159.7 مليون دولار في 2015 . “10”
3- ساهمت الدراما التركية في جذب السياحة الأجنبية خصوصا من المناطق التي تعرض فيها ، حيث ساهمت في زيادة أعداد السائحين إلي تركيا من 65 ألف سائح سنويا إلي ما بين 6 أو 7 أضعاف هذا الرقم حاليا ، ومتوقع أن يصل العدد إلي 10 مليون سائح عربي خلال الأعوام المقبلة ، فعام 2010 ارتفعت السياحة السورية إلي تركيا بنسبة 91.4% ، واللبنانية 81% ، والإماراتية 45% ، والإيرانية 43% ، وذكر مكتب الثقافة والإعلام التابع للقنصلية التركية بدبي أن تركيا استقبلت 822.25 ألف سائح خليجي خلال عام 2016 بزيادة نسبة 27% عن 2015 . “11”
4- خلق حالة من الإعجاب والانبهار بنموذجها السياسي والاقتصادي وجذورها التاريخية التي يتم تصدريها للمشاهدين وفقا لتوجهات حزب العدالة والتنمية وسياساته وطموحه علي المستوي الإقليمي والدولي ، وهو ما يترتب عليه خصوصا لدي المشاهدين العرب حالة من التعاطف مع تركيا وقضاياها وإيمانه بمشروعية ممارساتها وتوجهاتها .
5- الدراما جعلت الشعوب المستقبلة لهذه الأعمال تتعرف عن قرب علي طبيعة العادات والتقاليد والتاريخ والثقافة التركية “12” ، وجدير بالذكر في هذا الصدد أن أحد أهم أسباب انتشار الدراما التركية في المجتمعات العربية هو نجاحها في تجسيد نسيج المجتمع الشرقي ” المحافظ ” علي الشاشة ، فقبل أن تدخل الدراما التركية دائرة الضوء ظلت الدراما الأمريكية هي المسيطرة بلا منافس لعقود ، إلا أنها ظلت في الوقت نفسه تقف على مسافة بعيدة من فئات عريضة من الجماهير، فالمُنتمين لمجتمعات شرقية محافظة كانوا يتابعونها لكنها لم تكن انعكاسا لهم أو تعبيرا عنهم ، فهي كانت تعتمد بشكل رئيسي علي مشاهد كثيرة من العنف والجنس وبالتالي حتي وان نجحت في اجتذابهم إليها إلا أنها ظلت تشعرهم بالإغتراب عنها ، وهذا أحد الأسباب الرئيسية للرواج الذي تلقاه الدراما التركية في المجتمعات العربية .
6- الإقبال علي تعلم اللغة التركية بكثرة “13” ، خصوصا بين الفئات الشبابية التي تسعي إلي استكمال دراستها الجامعية أو ما بعد الجامعية في تركيا ، أو حتي سعيا إلي ترجمة الأغاني والأعمال الدرامية التركية “14” .
الخلاصة :
نخلص مما سبق إلي أن الدراما تعتبر من أهم وسائل التغلغل الناعم التركي ، وأحد الأدوات القوية والفاعلة في السياسة الخارجية التركية فهي تستهدف بسط النفوذ التركي الثقافي والاجتماعي خارج نطاق حدودها الجغرافية ، الترويج لدور ريادي تركي علي مستوي الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وعلي الساحة الدولية بشكل عام وإضفاء طابع الشرعية علي هذا الدور إستنادا إلي أسس تاريخية وأيديولوجية ، تسويق صورة خارجية نموذجية عن تركيا ، وإعادة هيكلة العلاقات مع العالم العربي من خلال خلق حالة من الإعجاب والانبهار بنموذجها السياسي والاقتصادي وما يترتب علي ذلك من تعاطف مع قضاياها .

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->