مساحة إعلانية 728×90

الانقلابات السياسية في المواثيق الدولية

www.elsiyasa-online.com
الانقلابات السياسية في المواثيق الدولية

بدرية الراوي

يعرف الانقلاب أنه: الاستيلاء المفاجئ والعنيف وغير القانوني على السلطة من الحكومة[1]، وعادة ما يتم الانتهاء من الانقلابات الناجحة بسرعة، على الأكثر في غضون ثمانية وأربعين ساعة[2]. وقد حدد "صامويل هنتنجتون" في كتابه (النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة)، الصادر عام 1968، ثلاثة أنواع للانقلابات، على النحو التالي:
النوع الأول: الانقلاب الخارق The breakthrough coup، وهو الانقلاب الكبير الذي تستولي فيه مجموعة متنوعة (ثورية؛ مدنية أو عسكرية أو تتألف من معارضة سياسية) على السلطة بعد أن تطيح بالحاكمين، والثورة البلشفية، التي حل فيها الشيوعيون الروس محل النظام القيصري الإمبراطوري، مثال عليه.
النوع الثاني: انقلاب الوصي The guardian coup، وهو يحدث عندما تستولي إحدى النخب على السلطة من نخبة أخرى. كجنرال بالجيش يقيل رئيسًا أو ملكًا. وعادةً ما يبرر الإجراء بالقول إنه من أجل الصالح العام. ويعتبر ما قام به وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي تجاه الرئيس المصري السابق محمد مرسي بمثابة انقلاب الوصي.
النوع الثالث: انقلاب الفيتو The veto coup، وهو ما يحدث عندما يتدخل الجيش لحماية الوضع الراهن من التغيير السياسي الجذري. ومن الأمثلة على ذلك الإطاحة برئيس البيرو ألبرتو فوجيموري عام 1992، بعد أن أعلن نيته حل المجلس التشريعي في البلاد مؤقتًا[3]. مثال آخر عندما نقف على بيان الانقلابيين من الجيش التركي في تموز 2016، نرى أنهم يبررون فعلتهم بالاعتداء الذي شنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على علمانية البلاد.
كذلك يخلط البعض ما بين الانقلابات والثورة، لذلك نقول أنه، عادة ما يتم الانقلاب من قبل عدد صغير من الأفراد، والذين لديهم بالفعل بعض القوة مثل ضباط الجيش، في حين أن الثورة هي الانتفاضة العامة لعدد كبير من الناس العاديين. كما أن الانقلاب يغير أعضاء الحكومة أو الحكم فقط، أما الثورة تغير النظام الاجتماعي بأكمله[4]. وعقب الانقلابات ينمو نفوذ القوى العسكرية يؤثر بشكل أكبر على الحكومة المدنية، وهو ما يسمى بحالة Praetorians [5]
تاريخيا حصل الكثير من الانقلابات، وثار حولها الجدل ما بين مؤيد لها وجاعل منها ثورة، أو رافضاً لها ومؤكد أنها انقلابات غير شرعية، وأشهرها: انقلاب نابليون بونابرت الذي أطاح من خلاله بالمجلس الإداري الذي يحكم فرنسا سنة 1799. وانقلاب فرانسيسكو فرانكو في إسبانيا[6]. كذلك انقلاب أوغوستو بينوشيه في تشيلي، وهو مثال واضح لمثار الجدل هذا. إذ تعتبره جهة أنه مدمر الديمقراطية في تشيلي، في حين يرى آخرون غير ذلك ويتحدثون أنه: “غالبًا ما يتم تمثيل انقلاب 1973 على أنه دمر الديمقراطية التشيلية، ولكن هذا نصف الحقيقة، ففي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، كانت ديمقراطية تشيلي في طريقها إلى التدمير الذاتي. وقد كتب في هذا المؤرخ جيمس ويلان أن تشيلي كانت “ديمقراطية آكلي لحوم البشر، وتستهلك نفسها”[7].
الانقلابات السياسية في المواثيق الدولية-2

في التاريخ المعاصرة لمنطقتنا العربية كان أول الانقلابات: انقلاب السياسي حكمت سليمان وصديقه الفريق في الجيش العراقي بكر صدقي على حكومة ياسين الهاشمي في بغداد سنة 1936[9]. وآخرها انقلاب أحمد عوض بن عوف على حكم الرئيس السوداني عمر البشير في أبريل 2019[10]. أما أشهرها في المائة عام الماضية: انقلاب 1917 أو الثورة البلشفية التي أطاحت بالنظام القيصري الأوتوقراطي وتركيز نظام اشتراكي شيوعي، وذلك بعد أن انحاز الجيش للشعب وتحرك ضد القيصر[11].  كذلك انقلاب الجيش على الملكية في مصر سنة 1952، وقد سمي بثورة الضباط الأحرار.
فُتح الباب للكثير من الانقلابات في العالم العربي والشرق الأوسط ولم يتوقف خاصة ما بين الخمسينات والسبعينيات، كليبيا مع معمر القذافي على النظام الملكي سنة 1969، وسوريا مع وزير الدفاع حافظ الأسد في انقلاب 1970، من قبل حزب البعث العربي السوري وهو ما أطلق عليه الحركة التصحيحية لثورة آذار سنة 1963[12] -أي أطلق عليها تسمية ايجابية وامتداد للثورة- وصولا لانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر سنة 2013. والكثير من الانقلابات في تركيا، آخرها المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016. وبشكل عام، فإن القارة الأفريقية هي أكثر ما حوت محاولات انقلابية تزيد عن المئتين في سبعين عام (1950-2019)[13]. آخر محاولة انقلابية وقد كانت فاشلة حصلت في الجابون السنة الجارية 2019[14].
والملفت أنه في بعض الدول العربية إن لم يجري انقلاب عسكري مباشر، لا يتولى الحكم إلا من هم من خلفية عسكرية، كما جرت العرف السياسي في لبنان، وهو ما يمكن لنا تسميته بالانقلاب الأبيض.
الانقلابات السياسية في المواثيق الدولية-2

حظر الانقلاب في القانون الدولي

إن كانت المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية قد حددت مصادر القانون الدولي الرسمية بـــــ المعاهدات، مبادئ القانون العامة، الاجتهاد القضائي، المذهب والمساواة، وذلك منذ سنة 1920 إلا أن ذلك يتضمن المبادئ الكائنة في جميع النظم القانونية الوطنية أيضا[15]. وعليه ننظر في هذه المصادر للاستدلال على حكم الانقلابات على أنواعها في القانون الدولي العام، وذلك على مستويين من خلال:

1- حكم التغيير غير الدستوري، وتحقيق المعيار العالمي للديمقراطية

ربما يكون توماس فرانك أول من طرح مسألة الديمقراطية في النظام القانوني الدولي لما بعد الحرب الباردة في عام 1992، في مقالته (الحق الناشئ في الحكم الديمقراطي) حيث جادل فرانك بأن “شرعية الحكومات لم تعد تقتصر على التقييم من خلال معايير وطنية بحتة؛ بل يجب تقييمها من خلال المعيار العالمي للديمقراطية”[16]. وسرعان ما اتبعه علماء آخرون، وحُدد هذا التوجه باسم “مدرسة الحق الديمقراطي” أو “نظرية الحق الديمقراطي”[17]. ومنه تدعي مدرسة الفكر هذه أن “الحق الديمقراطي قد ولج إلى النظام القانوني الدولي”[18]. وهذا في تناقض حاد مع “اللاأدرية” التي كانت سائدة من قبل، خاصة عندما ينظرون في أثر النظم غير الديمقراطية على جوارها الإقليمي.
تمثل فكرة الاستحقاق الديمقراطي هذه “تحولًا ثوريًا لمجموعة كاملة من المعايير الدولية، من القواعد التي تحكم الاعتراف بالدول والحكومات، إلى تلك التي تحكم استخدام القوة”[19]. وبمعنى آخر فإن هذا المبدأ يؤكد أن الاعتراف بشرعية هذه الحكومات قائم على مدى احترامها للمعايير الدولية منها: الديمقراطية. ولا تقبل الانقلابات على الحكومات المنتخبة من الشعب ولا هو مجرد شأن داخلي.
لكن الغريب “أن هؤلاء المفكرين أو العلماء قد فشلوا في توضيح العواقب الدقيقة لهذه المخالفة المزعومة من حيث المسؤولية. ولم تكن نظرية الاستحقاق الديمقراطي مقصورة على المدرسة الليبرالية الأمريكية فقط، بل جاءت في دراسات قانونية حول العالم، في أوروبا وأفريقيا على سبيل المثال تبنى العديد من الفقهاء فكرة أن شرعية الحكومات لم تعد مسألة داخلية بحتة ويجب قياسها وفقًا لمعايير الديمقراطية”[20].
وفي هذا السياق، نشير إلى أنه “خلال الحرب الباردة، كانت الانقلابات التي وقعت مقبولة نسبيًا؛ وأحيانًا كانت كل مجموعة من الكتل ترى الانقلابات وسيلة ملائمة لتغيير حكومات الأيديولوجيات المعادية لها، ولكن هذا تغير مع نهاية الحرب الباردة، فقد أصبح من النادر منذ ذلك الحين أن تظل الدول (في العالم) غير مبالية تجاه هذا الانشقاق في النظام السياسي والقانوني لدولة أخرى، خاصة إذا ما أدت إلى الإطاحة بحكومة ديمقراطية، بل إن تعزيز معايير شرعية الحكومات يرتكز على أصل السلطة -وبشكل خاص على الأصل الديمقراطي”[21]. وهنا نستدل على ازدواجية التعاطي تجاه الانقلابات، لا في تلك الحقبة فقط بل حتى الساعة ومع النظام العالمي الجديد (2019).
والشائع بالنسبة للدول الديمقراطية أن تعلن أن الإطاحة بالحكومة الديمقراطية غير مقبول Abstracto. وتأتي الإدانة بشكلها الأولي، كإدانة لانتهاك النظم الدستورية في البلاد، وتتضمن الرغبة أو المطالبة بعودة الديمقراطية، لذلك نجد ان أول ما يسارع لبيانه الانقلابيين في بيانهم الأول هو الدعوة لاستئناف الحياة الديمقراطية والإعلان عن نية إجراء انتخابات عاجلة، مثاله دعوة البيان رقم واحد للانقلابيين في السودان أبريل 2019، بالدعوة إلى “تهيئة المناخ للانتقال السلمي للسلطة وبناء الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة نزيهة بنهاية الفترة الانتقالية”[22]. كذلك قد تصحب الإدانات بعقوبات متنوعة، كخفض العلاقات الدبلوماسية، أو فرض عقوبات اقتصادية[23]. وهنا ما زلنا نتحدث عن الإدانة من قبل الدول كوحدة منفردة.

2- المواثيق، الاتفاقيات والقرارات الدولية

إن إدانة الانقلاب ليست بالعمل غير المسبوق دوليا، فالانقلابات طالما تم نبذها، حتى في وقت لم يكن فيه أي اهتمام بالديمقراطية وسيادة القانون. وهذا طبيعي فكل حاكم يسعى لتثبيت حكمه وكل دولة تسعى لحماية نفسها من عمليات التغيير غير الدستورية حتى لو في جوارها. وعلى صعيد التكتلات والمنظمات الدولية، وفي هذا جاءت العديد من المواثيق والقرارات، منها:



  1. ما نصت عليه المادة 29 من “معاهدة الرابطة والاتحاد الدائم”، التي تم عقدها في عام 1826 بين العديد من دول أمريكا الشمالية والجنوبية، والتي حكمت أن “التغيير الكبير في طبيعة الحكومة يمكن أن يؤدي إلى تعليق دولة عضو”[24].
  2. كما وافقت بعض دول أمريكا الوسطى، وهي كوستاريكا وغواتيمالا والسلفادور وهندوراس وبنما، على معاهدة أطلق عليها اتفاقية الأمن الديمقراطي في أمريكا الوسطى، تنص المادة 8 منها على أنه “من أجل تعزيز الديمقراطية، يجب على الأطراف أن تؤكد من جديد التزامها بالامتناع عن تقديم أي دعم سياسي أو عسكري أو مالي أو أي دعم آخر للأفراد أو الجماعات أو القوات غير النظامية أو العصابات المسلحة التي تهدد وحدة الدولة ونظامها أو التي تدعو إلى الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً أو زعزعة استقرارها أي من الأطراف الأخرى”[25].
  3. كما وافقت الدول الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية (OAS) على إجراء للتشاور في حالة “أي حوادث تؤدي إلى الانقطاع المفاجئ أو غير النظامي “للديمقراطية في بلد عضو” “منظمة الدول الأمريكية ثم ذهب أبعد من ذلك الى سحب عضوية الدولة تلك[26]. وفي 1991 من خلال القرار 1080 أكدت منظمة الدول الأمريكية AOS، على دفاعها عن الديمقراطية وتعزيزها. وأكدت على “التزام الدول الأعضاء باتخاذ إجراءات مشتركة وفورية لحماية الديمقراطية في أي دولة عضو عندما تكون مهددة”[27].
وعليه، و”بناء على طلب الحكومات نيكاراغوا (2005)، إكوادور (2005 و2010)، بوليفيا (2008)، غواتيمالا (2009)، هندوراس (2009) وهايتي (2010-2011)، وتصرف المجلس الدائم والأمين العام بجد وفعالية، من خلال الموافقة على القرارات ذات الصلة وإرسال البعثات السياسية التي منعت بنجاح أزمة سياسية من تمزق النظام الديمقراطي. كما تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه عندما تطلب دولة عضو مساعدة منظمة الدول الأمريكية أثناء الأزمة السياسية، لا يعتبر ذلك تدخلا أجنبيا”[28].
  1. مجموعة دول الكومنولث[29]؛ والتي دعت إلى تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان وسيادة القانون في إعلان Harare.
  2. منظمة الدول الفرنكوفونية التي أدانت الانقلابات في قمة باماكو[30] سنة 2000 لحماية الديمقراطية والحقوق والحريات، حيث طالب إعلانها بتقليص العقود الحكومية الدولية مع السلطات التي تقوم بالانقلابات.
  3. كذلك منظمة الاتحاد الأفريقي في ميثاقها لسنة 1999، يدين خرق الآليات الدستورية في الحكم للدول الأعضاء، كذلك ورث الاتحاد الأفريقي هذا المبدأ وأكد عليه، مطلقا عليه “التغييرات غير الدستورية للحكومة”، كأحد أسباب انتهاكات حقوق الإنسان في القارة. وفي القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي لعام 2000، والبروتوكول المتعلق بالميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم (ACDEG) لعام 2007[31]. وفي هذا السياق جاء تعليق عضوية مصر عام كامل عقب الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي[32].
  4. المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي تؤكد على إدانة ورفض الانقلابات، بما فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، المحكمة الدولية، ومجلس الأمن. فمثلا نجد قرارات مجلس الأمن، القرار رقم 841[33]خصوص الانقلاب في هايتي سنة 1993، والقرار رقم 2048[34] الذي يدين انقلاب غينا 2012. ودعت الى استئناف الحياة الديمقراطية، وتسليم البلاد للسلطات المدنية إلى دخول قوات دولية عقب تفاقم الأزمات الداخلية وتطورها إلى حرب أهلية. كذلك نظرت المحكمة الجنائية الدولية بالعديد من القضايا الناجمة عن الانقلابات حول العالم، منها المحكمة الدولية الخاصة بانقلاب هندوراس وما نجم عنه من انتهاكات[35]لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
  5. يعتبر التغيير غير الديمقراطي، هي واحدة من الجرائم الـ 14 التي تدخل في اختصاص القسم الجنائي للمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان-كان هناك مساعي لتأسيسها ثم اقتصرت على اللجنة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان-(ACTJHR)، والتي دعا لإنشائها بروتوكول مالابو في يونيو 2014.  ونظراً للمادة 28 من بروتوكول Malabo تتكون الجريمة من “… ارتكاب أو الأمر بارتكاب الأفعال التالية، بهدف الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها بطريقة غير قانونية:
  • انقلاب أو انقلاب ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا
  • تدخل المرتزقة لتحل محل الحكومة المنتخبة ديمقراطيا.
  • أي بديل لحكومة منتخبة ديمقراطيا باستخدام المنشقين أو المتمردين أو عن طريق الاغتيال السياسي.
  • أي رفض من جانب حكومة حالية للتنازل عن السلطة للحزب الفائز، أو إجراء انتخابات نزيهة ومنتظمة.
  • أي تعديل أو مراجعة للدستور أو الصكوك القانونية، وهو ما يمثل انتهاكًا لمبادئ التغيير الديمقراطي للحكومة أو يتعارض مع الدستور.
  • أي تعديل مهم للقوانين الانتخابية في الأشهر الستة الأخيرة قبل الانتخابات دون موافقة غالبية الجهات السياسية”[36].
كذلك استخدم مصطلح “التغييرات غير الدستورية للحكومة” على هذا النحو في إعلان Grand Bay في أبريل 1999، كأحد أسباب انتهاكات حقوق الإنسان في القارة. لكن إعلان لومي Lomé Declaration[37]. وجاء في الميثاق الأفريقي للديمقراطية، الانتخابات والحكم[38]، بمادته 23 ما يؤكد إدانة وحظر سبل التغيير غير الديمقراطية، وعدا منها الانقلابات، وهذا ليس بالجديد لما دون قبلها من مواثيق واتفاقيات تحظر ذلك[39].

ثانيا: الانقلاب ما بين فاعلية القانون الدولية والمساءلة

تضمنت القرارات والمواثيق الدولية خطوات تنفيذية، وإجراءات وملاحقات قانونية ودولية، فنجد مثلا: على سبيل المثال لا الحصر: فيما يتعلق بحصول انقلاب في منظمة الدول الأمريكية: “أنه يكلف الأمين العام بسلطات، منها سلطة عقد اجتماع للمجلس الدائم لمنظمة الدول الأمريكية، عندما يكون هناك انقطاع مفاجئ أو غير منتظم للعملية السياسية الديمقراطية أو ممارسة مشروعة للسلطة من قبل حكومة منتخبة ديمقراطيا في دولة عضو – أي انقلاب –  كما يمكن لهذا الجهاز، بدوره، عقد اجتماع خاص لوزراء الخارجية يجب اتخاذ قرار بشأن التدابير المحددة التي يتعين على منظمة الدول الأمريكية اعتمادها. هذا القرار كان يتم تطبيقها في أربع حالات محددة: هايتي، بيرو، غواتيمالا، وباراغواي[40].
كما تسمح المادة 17 لحكومة إحدى الدول الأعضاء بطلب المساعدة من منظمة الدول الأمريكية تعزيز والحفاظ على نظامها الديمقراطي”، عندما ترى أن عمليتها الديمقراطية أو “الممارسة المشروعة للسلطة في خطر”[41]. حتى وإن كان غيره من الدول الأعضاء فيه قد تعتبره تدخلا أجنبيا-كذلك -كما في الحالة الإكوادور في عام 1997 وفي هندوراس في عام 2009. وفي كلتا الحالتين، “تدخل” منظمة الدول الأمريكية لم يمنع الانقلاب[42].
ولربما تكون هذه القواعد والقوانين الدولية قد دفعت بالانقلابيين نحو التفكير والتمهل في خطواتهم، لكن بلا شك لم يردعهم، خاصة من كان له ظهير دولي. وفي هذا نجد أن البعض “يرى في فاعلية استجابة الاتحاد الأفريقي لاستعادة الديمقراطية بسرعة، وذلك بعد انقلابين في عام 2003 في غينيا بيسا، وفي سان تومي وبرينسيبي 2007. وكذلك ربما تكون الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) قد حالت دون تلك الانقلابات منذ أن تم سنها قبل عقد من الزمن”[43].
لكن هذا كله لم يحل دون مواجهة التحدي الأكبر وهو تلاعب الارادة السياسية بهذه القواعد الدولية، وتدلل على ذلك حالات انقلاب متعددة منها حالة الانقلاب في هايتي 1993، حيث كان هناك دول تدعم الانقلاب بل وتسبق المنظمات الدولية بقراراتها واجراءاتها، كــ هايتي مثلا: اذ كانت الولايات المتحدة تعتبر أريستيد رئيس هايتي المنتخب كأول رئيس عقب الاستقلال و بحوالي 67% من الأصوات ندا لها في جزر الكاريبي، فسهلت من عملية رحيله، بل ولجأت كل من واشنطن وباريس الى اٍرسال قوات لحفظ السلام دون انتظار مجلس الأمن وتصويته على قرار اٍرسال قوات متعددة الجنسيات لحفظ السلام هناك بعد أن عمت الفوضى في البلاد في 2004،[44] وحتى اليوم-2019- تحصل صدمات ما بين أنصار الرئيس هذا وقوات حفظ السلام التي دخلت البلاد لاحقا[45].
كذلك الحال في أفريقيا، لقد استنكر الاتحاد الأفريقي تجدد الانقلاب في أفريقيا، في فبراير 2009، لكن لم تسفر وسائل رد الفعل تجاه هذه المواقف (وخاصة تعليق الاتحاد الأفريقي لعضوية الدولة) عن نجاح يذكر. فمرتكبو الجريمة غالباً ما يظلون بلا عقاب؛ ويستعيدون “الشرعية” بعد تنظيم انتخابات مزورة، ثم يتم دمج الحكومة الجديدة في الاتحاد الأفريقي[46].
على صعيد آخر، تشكل الثغرات القانونية معضلة دون تحقيق مثالية القانون الدولي، فرغم ما ذكر ودون حول إدانة الانقلابات العسكرية، وعدم شرعيتها إلا أنها لم تكن خطوات مكتملة أو كافية، فمثلا “كثير من تلك الاتفاقيات والمواثيق عبارة عن صكوك غير ملزمة قانونيا بمعنى لا يترتب عليها إجراءات تحيله للمساءلة أمام الجهة العاقدة لهذا الميثاق، منها الميثاق الديمقراطي للبلدان الأمريكية”[47]. كذلك عدد من هذه الإجراءات كانت صعبة التطبيق واقعا. لا بل، إن بعض أساتذة القانون الدولي[48] يروون أن: “إثبات استحالة تحميل أي دولة ما المسؤولية بموجب القانون الدولي عن الانقلاب، تدعم فكرة أن الانقلابات ليست بالضرورة وسيلة مؤسفة لتغيير الحكومة. وفي الواقع، سيظهر أن الانقلابات قد تؤدي في بعض الأحيان إلى انفصال إيجابي عن النظام الحالي، وتوليد تغيير مرغوب فيه للنظام السابق، على وجه الخصوص، في الدول التي تكون فيها حكومة طاغية إلى ما لا نهاية[49]. وواقعا هذا المنطق موجود ويُعمل به، وينقلنا مجددا من الدائرة القانونية إلى تأثير الدائرة السياسية.
ثغرة قانونية أخرى، وهي أننا لو تكلمنا عن أن “قضية مسؤولية الدولة عن الانقلاب تختلف عن تلك المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الدولية لمن قام بالانقلاب، لأن الانقلابات لا تعتبر بعد جريمة دولية من وجهة نظر القانون الجنائي الدولي. وقد حوكم المدعي العام للمحكمة الخاصة لسيراليون في هذه الحجة في قضية تايلور[50]، لكن المحكمة رفضتها. ويمكن فقط للجرائم التي يُزعم أنها ارتكبت أثناء الانقلاب أن تشكل جريمة بالمعنى المقصود في القانون الجنائي الدولي[51]. إن تأكيد عدم شرعية الانقلاب الدولي لا يكشف عن أي شيء فيما يتعلق بمشاكل المسؤولية الدولية بموجب القانون الدولي. مع الإشارة لأن أي انتهاك للقانون الدولي لا ينطوي إلا على مسؤولية الشخص الذي يُنسب إليه الانتهاك.
ومن الغرائب فيما يتعلق بإدانة وملاحقة الانقلابيين، أن “الحقد بين الاتحاد الأفريقي والمحكمة الجنائية الدولية أصبح ظاهرا بعد إصدار مذكرات توقيف رؤساء الدول الأفريقية وكبار المسؤولين الحكوميين، مما دفع الاتحاد الأفريقي إلى اتخاذ العديد من الإجراءات المواجهة للمحكمة الجنائية الدولية، بلغت ذروتها في اختصاصها الجنائي الدولي، ففي عام 2010، شرع الاتحاد الأفريقي في عملية تهدف إلى تمكين محكمته من مقاضاة الجرائم الدولية التي ارتكبها الأفارقة في أفريقيا”[52].
وفي سياق متصل، نجد من خبراء القانون الدولي من طرح أن التغيير غير الدستوري للحكومة، يصنف من الجرائم الأكثر إثارة، والتي تنتمي إلى الاختصاص الموضوعي للغرفة الجنائية الأفريقية التي سيتم إنشاؤها حديثًا _ولم تنشئ_. وبالتالي نقل انتهاك الآليات الدستورية هذه من المستوى المحلي الى الدولي، مما يثير تساؤلات حول حق التدخل الأجنبي في الشؤون السياسية الداخلية، وعلة الحكم؛ في النقل هذا، هو أن حركات التمرد (الانقلابات) ليست محصورة في دول وحيدة ولكنها تميل إلى الانتشار إلى بلدان أخرى. وفي ضوء التجربة الأفريقية أثبتت الصراعات المحلية أنها معدية[53]. لذلك تشكلت رغبة لدى تلك الدول في أقلمة القانون الدستوري إن صح التعبير.
لذا يقترح سوما أحد أساتذة القانون الدولي أو يرى أن هذا التقدم قد يكون المرحلة الأخيرة من تدويل القانون الدستوري في إفريقيا، لو تم، ولكن لم يدخل بروتوكول Malabo حيز التنفيذ بعد[54].

خلاصة:

أعتبر الانقلابات من الطرق الرئيسية لإقامة الدكتاتوريات الجديدة، وقد تثير الحروب الأهلية والأزمات الدولية، كما يلاحظ أن الانقلابات “كانت أكثر الوسائل شيوعًا لتغيير الحكومات” وأنه بالنسبة لأفريقيا ما بعد الاستعمار POST-COLONIAL أصبح الانقلاب العسكري، في الواقع، هو الطريقة المؤسسية لتغيير الحكومات. وإن أخذت تقل وتيرتها تدريجيا لعوامل متعددة.
كما يؤثر في حصولها عوامل متعددة أهمها العامل الخارجي بدعمه طرف على حساب آخر، ويؤثر في التخفيف منها عوامل متعددة على مستويات، على المستوى الشعبي: وعي الشعوب، وعلى مستوى الدولة: مدى تحقق الديمقراطية وسيادة القانون فيها، فقد حللت الكثير من الدراسات أهمية وماهية الديمقراطية وشروطها، إلا أنه في حتى عام 2011 وفقط مع الباحثين باول ولاسلي (Powell and Lasley) تم اختبار فعالية بنود وشروط الديمقراطية في منع الانقلابات، وما توصل إليه باول ولاسلي من أن بنود الديمقراطية تقلل من محاولات الانقلاب بنسبة 50٪[55]. أما على المستوى الدولي: مدى احترام القانون الدولي وتطبيقه.
لقد وقفت هذه الدراسة على تحديد حكم الانقلابات على أنواعها في القانون الدولي من خلال مصادره المتنوعة والمتعددة وقد وقفنا على حالات كان لهذه القواعد وما يترتب عليها من آثار وعقوبات، أثر في وأدها، وحالات أخرى لم يسعف القانون الدولي شرعية النظم المنقلب عليها، لا بل ترك المجال مفتوحا من خلال ثغرات متعددة للانقلابيين كي يقوموا بشرعنة أعمالهم والإفلات من العقاب. وهذه الأزمة ليست حصرا في هذه القضية بل يطال القانون الدولي والقانون الجنائي الدولي عموما، إنها الإرادة السياسية للدول النافذ والراعية لمؤسسات ومنظمات هذا القانون الدولية وأذرعه التنفيذية لاسيما مجلس الأمن[56].

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
-->